أنطوني سعد

"اليونيفيل": أبعد من دور عسكري

3 دقائق للقراءة

  منذ إنشائها عام 1978 بقرار من مجلس الأمن الدولي عقب الاجتياح الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان، وُجدت قوات "اليونيفيل" لتكون أداة لضبط التوتر ومراقبة وقف إطلاق النار. ومع أنّ حرب تموز 2006 شكّلت محطة فاصلة من حيث توسيع صلاحياتها وتعزيز عديدها، إلا أنّ حصر دورها بهذه المرحلة فقط يُغفل حقيقة أنّ وجودها الممتد منذ أكثر من أربعة عقود جعل منها لاعبًا سياسيًا ودبلوماسيًا بامتياز، يتجاوز بكثير إطارها العسكري والرقابي.


"اليونيفيل" ليست مجرد جنود على الأرض، بل هي مرآة للتوازنات الدولية ونافذة دائمة للتأثير الخارجي في لبنان. يكفي النظر إلى طبيعة الدول المشاركة لفهم أن هذه البعثة باتت منصة سياسية متحركة.


أولًا، الحضور الفرنسي داخل "اليونيفيل" ليس عسكريًا فقط، بل هو سياسي واقتصادي أيضًا. ففرنسا التي ترتبط تاريخيًا وثقافيًا بلبنان، هي أيضًا عضو أساسي في اللجنة الخماسية التي تضطلع بدور محوري في صياغة التسويات اللبنانية. وبذلك، يشكّل وجودها في "اليونيفيل" ورقة نفوذ ميدانية تمنحها مقعدًا دائمًا إلى طاولة المفاوضات. لكن الأهم أنّ باريس تعزز موقعها عبر الاقتصاد أيضًا، وتحديدًا من خلال استثمارات كبرى مثل شركة الشحن العالمية CMA CGM التي تدير مرفأ بيروت ومرافئ أخرى. هذا البعد الاقتصادي يجعل من الحضور الفرنسي في لبنان مشروعًا متكاملًا: دبلوماسيًا، عسكريًا، واقتصاديًا في آن واحد.


ثانيًا، المشاركة الألمانية، ولا سيما في القوة البحرية، تحمل بعدًا سياسيًا لا يقل أهمية. ألمانيا، بصفتها القوة الاقتصادية الأولى والسياسية الأكثر تأثيرًا في الاتحاد الأوروبي، تمثل حضورًا أوروبيًا جامعًا. علاقتها الوثيقة مع إسرائيل تضيف وزنًا خاصًا لوجودها، إذ يُنظر إليها كقوة توازن بين أمن إسرائيل والتزامات لبنان. لكن ما يتجاوز ذلك هو الجانب الاقتصادي: ألمانيا التي فرضت سياستها المالية التوسعية على دول مثل اليونان خلال أزمتها الشهيرة، تتعامل مع لبنان أيضًا كمساحة محتملة لمد نفوذها عبر الاقتصاد والمشاريع التنموية. هكذا، يظهر الحضور الألماني في "اليونيفيل" كجزء من سياسة توسع "ناعمة"، تستعمل الاقتصاد بوابة أساسية لترسيخ النفوذ.


ثالثًا، التمويل الأميركي يضع واشنطن في موقع اللاعب الخفي. صحيح أنّ القوات الأميركية ليست متواجدة بشكل كبير ميدانيًا، لكنها تُعد الممول الأكبر للبعثة. وهذا التمويل يمنحها قدرة على ضبط إيقاع مهام "اليونيفيل"، وتحديد سقف عملها بين التشدد أو التساهل. بالنسبة للولايات المتحدة، "اليونيفيل" ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة ضمن استراتيجيتها الإقليمية: منع الانفجار الكامل في الجنوب، وفي الوقت نفسه الحؤول دون منح "حزب الله" هامشًا إضافيًا لتوسيع نفوذه.


من هنا، يتضح أنّ الأهمية السياسية لـ "اليونيفيل" تفوق كثيرًا بعدها العسكري. فهي منصة للتقاطع بين ثلاثة أبعاد: فرنسا الباحثة عن نفوذ سياسي ومكاسب اقتصادية عبر CMA CGM، ألمانيا الساعية إلى توسيع حضورها الأوروبي والاقتصادي عبر البوابة اللبنانية، والولايات المتحدة التي تمسك بخيوط التمويل لتحدد المسار العام.


إن إنهاء دور "اليونيفيل" لن يكون حدثًا عابرًا، بل سيشكل محطة تعيد رسم التوازنات والخرائط في المنطقة، إما لصالح العدو الإسرائيلي، أو بانفجار جديد للجنوب يدخل لبنان في دوامة مواجهة مفتوحة.