أنطونيو رزق

تعنّت روسيا يكبح زخم التسوية في أوكرانيا

6 دقائق للقراءة
جانب من تظاهرة في عيد استقلال أوكرانيا في برلين أمس (رويترز)

لم يتأخّر الكرملين في كبح زخم التسوية في أوكرانيا الذي خلقه الرئيس الأميركي ترامب خلال الأسبوعين الماضيَين عبر مساعيه لتنظيم قمّة أوكرانية - روسية سريعًا إثر لقائه نظيره الروسي بوتين في ألاسكا، ثمّ استضافته الرئيس الأوكراني زيلينسكي وقادة أوروبّيين في البيت الأبيض، فقد استبعدت موسكو خلال الأسبوع الماضي جلوس بوتين وزيلينسكي على طاولة واحدة قريبًا، متمسّكة بشروطها المسبقة التعجيزية لعقد مفاوضات بين الرئيسَين، في وقت سيطرت فيه مسألة شكل الضمانات الأمنية التي قد تُمنح لكييف، ضمن إطار تسوية مستقبلية، على نقاشات حلفائها الغربيين.


أثبتت روسيا من خلال التصريحات السلبية والعالية السقف التي أطلقها وزير خارجيّتها لافروف الأسبوع الماضي، أنّ بوتين شارك في قمّة ألاسكا بهدف شراء الوقت لجيشه الذي يتقدّم ببطء في شرق أوكرانيا عبر تجنّب العقوبات الضخمة التي كان ترامب قد توعّد الكرملين بها قبل القمّة، إذ لا تزال موسكو مصرّة على شروطها لإنهاء الحرب والتي تقضي عمليًا باستسلام أوكرانيا وجعلها شبه دولة غير قادرة على التصدّي لهجمات روسية مستقبلية. لذا، لا ترى روسيا مصلحة في مشاركة بوتين في قمّة مع زيلينسكي طالما أنّ الأخير يرفض الانصياع لشروطها.


من هذا المنطلق، جدّد لافروف تشكيك بلاده بشرعية زيلينسكي، متّهمًا إيّاه بعدم قبول الشروط الروسية المسبقة للتفاوض، مثل "مناقشة قضية الأراضي"، فيما كان زيلينسكي قد جزم بأنه لا يزال مستعدًا للقاء بوتين من دون شروط مسبقة ومناقشة مسألة الأراضي بشكل مباشر. وكرّر لافروف رفض موسكو القاطع نشر قوات غربية في أوكرانيا كجزء من الضمانات الأمنية لكييف بعد انتهاء الحرب، الأمر الذي يقلّص قابلية زيلينسكي على تقديم تنازلات في شأن الأراضي الأوكرانية التي أعلنت موسكو ضمّها، إذ إنه يرفض التنازل عن تلك الأراضي من دون ضمان عدم قضم روسيا مزيدًا منها في المستقبل.


أثارت المراوغة الروسية غضب ترامب، الذي لوّح بفرض "عقوبات هائلة" على موسكو في حال استمرّت في المماطلة خلال الأسبوعَين المقبلين. بيد أنه من المحتمل ألّا يُعدّل ترامب بشكل جوهري مقاربته للعلاقة مع الكرملين، إذ يرى أنّ فرض عقوبات على روسيا لن يحقق النتيجة المرجوّة كونها تمكّنت من التكيّف مع العقوبات الغربية الكاسحة التي فُرضت عليها منذ عام 2022. لذا، جلّ ما ستحققه العقوبات في نظره هو قطع التواصل بين واشنطن وموسكو، ما يعني القضاء على أي احتمال لتسوية النزاع لو مهما كان ضئيلًا. كما أنه يتخوّف من فرض عقوبات ثانوية قاسية على مشتري النفط الروسي، الأمر الذي قد تكون له نتائج عكسية، مثل اضطراب العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن ونيودلهي، وتقرّب الأخيرة بشكل أكبر من الصين وروسيا.


ولكن، رغم تردّد ترامب في فرض العقوبات على موسكو، التي تعتبر أوكرانيا وأوروبا أنها قد تُنزل بوتين عن الشجرة، فإنه لم يتوانَ الأسبوع الماضي عن تأكيد تعهّد بلاده للمرّة الأولى بالمشاركة في ضمان أمن أوكرانيا بعد نهاية الحرب، "ربّما عبر الجوّ"، كما لمّح للمرّة الأولى أيضًا إلى احتمال منح بلاده أوكرانيا الضوء الأخضر والقدرة على مهاجمة روسيا بفعالية كبرى، في حين أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأنّ البنتاغون يمنع كييف منذ أشهر من استخدام الصواريخ الغربية البعيدة المدى لضرب أهداف داخل روسيا، إنما نقلت عن مسؤول كبير في البيت الأبيض قوله إن ترامب قد يُغيّر رأيه في شأن تسهيل توسيع العمليات الهجومية ضدّ موسكو.


توازيًا، تجهد الدول الأوروبّية وأوكرانيا في هندسة شكل الضمانات الأمنية لكييف بالتنسيق مع واشنطن، فقد عقد قادة الجيوش من أميركا وأوكرانيا وعدد من الدول الأوروبّية اجتماعات في واشنطن من الثلثاء حتى الخميس الماضي، حيث طرح المجتمعون في نهاية المحادثات خيارات على مستشاري الأمن القومي في بلدانهم لتقديم ضمانات أمنية لكييف. وبينما يرفض ترامب الحديث عن انضمام أوكرانيا إلى حلف "الناتو"، إلّا أنه يؤيّد منحها ضمانات تشبه ضمانة المادة الخامسة من معاهدة "الناتو"، خصوصًا إذا تحمّلت الدول الأوروبّية بشكل أساسي عبء تلك الضمانة.


بناء على ذلك، تقود بريطانيا وفرنسا "تحالف الراغبين" الذي من شأنه نشر قوات حفظ سلام في أوكرانيا عند التوصّل إلى تسوية، إنما يواجه التحالف تحدّيات وعوائق ضخمة ستحتاج إلى تغييرات جذرية في المقاربة الدفاعية للدول الأوروبّية، التي شرعت بإعادة بناء قدراتها العسكرية إثر بداية الغزو الروسي لأوكرانيا بعد سنوات من اعتماد موازنات دفاعية منخفضة. كما أن الحفاظ على توافق أوروبي على دعم أوكرانيا ليس مهمّة سهلة نظرًا لاختلاف وجهات نظر الدول الأوروبّية حول مقاربة العلاقة مع روسيا وحول حجم الدعم الذي يجب تقديمه لكييف وشكله، فضلًا عن أنه من الصعب نشر القوة المحتملة قبل توقف الأعمال القتالية، ما يمنح الكرملين عمليًا حق فيتو على ذلك.


في هذا الإطار، أوضحت دراسة أجراها "معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية" أن "الرقم الأكثر واقعية لضمان وجود قوات برية كافية قادرة على تطبيق دفاع عميق حقيقي قد يكون أكثر من 100 ألف جندي، وهو ما يعادل حجم القوات العاملة الكاملة في دول مثل اليونان أو إسبانيا"، معتبرة أن الضمانة الأمنية لأوكرانيا "يجب أن تكون التزامًا ملموسًا، متعدّد المجالات، وطويل الأمد" من خلال "وجود جيش كبير ذي وضع دفاعي، وسلاح جو حديث قادر على حماية الأجواء، واستراتيجية بحرية تركّز على حرمان العدو من السيطرة البحرية، بالإضافة إلى قدرات متقدّمة في الفضاء والفضاء السيبراني". وأكدت أن "الهدف من الضمانة الأمنية هو بناء جيش أوكراني قوي جدًا، ومجهّز تجهيزًا جيّدًا، ومدرّب بشكل كافٍ، ما سيتطلّب جهدًا مستمرًا من المرجّح أن يستمرّ ما لا يقلّ عن عقد من الزمن في مرحلته الأكثر كثافة من حيث البناء والتدريب".


احتفلت أوكرانيا باستقلالها أمس، وقد هنأ ترامب والدول الأوروبّية، كييف، مؤكدين لها دعمهم استقلالها وسيادتها، بيد أنّ البلاد تحتاج إلى تعهّدات ملموسة بضمان أمنها واستقلالها بعدما تخلّت عن ترسانتها النووية في التسعينات بناء على "مذكّرة بودابست" التي ضمنتها واشنطن ولندن وموسكو، وكان من شأنها تطمين أوكرانيا أن سيادتها لن تُنتهك. اليوم، تسعى كييف إلى تعهّد بضمان أمنها يكون ملزمًا قانونيًا ومدعومًا بقوات غربية على الأرض قبل تقديم أي تنازل عن أراض كلّفها الدفاع عنها مقتل وجرح مئات الآلاف، فضلًا عن أضرار مادية هائلة وهجرة عدد كبير من الكفاءات.