بشارة جرجس

أين تكمن مصلحة اللبنانيين فعلًا... ومن يملك الجرأة على قول الحقيقة والسير بها حتى النهاية؟

26 دقيقة للقراءة

طبعاً جولة الموفد الأميركي توم باراك الأخيرة في المنطقة مصيرية، إذ يتحرك بين تل أبيب ودمشق وبيروت في سباق لتثبيت تفاهمات إقليمية جديدة. التقى باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث ملفي سوريا ولبنان، وانتقل إلى دمشق للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع سعياً لضمان موافقة سوريا على ترتيبات أمنية جنوب سوريا وللنقاش بترتيبات لترسيم الحدود مع لبنان، لا سيما مزارع شبعا. وسيصل إلى بيروت ليلتقي الرؤساء جوزاف عون، نواف سلام ونبيه بري، في محاولة لدفع “الورقة الأمريكية” إلى حيّز التنفيذ. هذه الورقة التي وافقت عليها حكومة نواف سلام (بغياب الوزراء الشيعة) ترسم خارطة طريق لوقف دائم للاعتداءات المتبادلة بين لبنان وإسرائيل عبر حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتنفيذ القرار 1701 بشكل كامل. لكن تنفيذها فعلياً مشروط بتجاوب كل من إسرائيل وسوريا مع بعض بنودها، ما يجعل مصير لبنان مرهوناً مرة أخرى بتوافقات الخارج.


التباين في الأجندات بين دمشق وتل أبيب يضع المبادرة الأميركية على مفترق طرق. فدمشق الشرع، الخارجة من حرب طويلة، تصرّ على إعادة توحيد سوريا وبسط سيادة الدولة المركزية على كامل أراضيها، فيما إسرائيل تفضّل واقعاً مختلفاً بالكامل في الجوار يقوم على تقسيم النفوذ من خلال المكونات المؤسِّسة للمنطقة. هذا التناقض في الرؤى، بين مشروع سوري يستند إلى “وحدة الدولة” ومشروع إسرائيلي يستفيد من تحالفاته مع بعض الطوائف كالدروز والأكراد في سوريا، ينعكس مباشرة على لبنان. فما هي أهداف كل طرف ولماذا؟ وكيف يؤثر صراعهما المستتر على الورقة الأميركية وواقع لبنان الأمني والسياسي؟


بعد انهيار نظام بشار الأسد وصعود حكومة انتقالية في دمشق بقيادة أحمد الشرع، برز نهجان مختلفان حول مستقبل سوريا. دمشق الجديدة تعلن تمسكها بوحدة البلاد وإعادة بناء سلطة مركزية قوية تفرض النظام في كل المحافظات، فعلى الرغم من الواقع الميداني المعقّد، حيث لا تزال مناطق في الشمال والشرق والجنوب خارج سيطرة العاصمة، ترفض القيادة السورية أي حديث عن تقسيم فعلي للنفوذ. وتعمل حكومة الشرع على دمج المكونات المحلية ضمن إطار مركزي شامل، وتقف في وجه الطروحات اللامركزية الموسّعة التي تروّج لها الأطراف الكردية والدرزية.


في المقابل، تنظر تل أبيب بريبة إلى احتمال قيام دولة سورية موحدة وقوية بجوارها. من منظور إسرائيلي إستراتيجي، بقاء سوريا مجزأة إلى مناطق نفوذ طائفية وإثنية قد يكون أفضل من عودتها دولة مركزية ذات جيش موحد وتحالفات معادية. لذا حرصت إسرائيل طوال سنوات الحرب السورية على منع أي تهديد لأمنها انطلاقاً من الأراضي السورية، ليس فقط عبر استهداف الوجود الإيراني هناك، بل أيضاً عبر بناء قنوات اتصال مع قوى محلية. فإسرائيل نفّذت عمليات عسكرية محدودة في القنيطرة والجولان بشكل مستمر، في رسائل ردع موجّهة لأي حكومة في دمشق تفكر بتهديد الحدود، ولإبقاء هامش تحرّكها مفتوحاً جنوب سوريا. كما أنها انخرطت، بوساطة أميركية، في محادثات أمنية مباشرة مع مسؤولين سوريين هي الأعلى مستوى منذ عقود. فبرعاية الموفد الأميركي توماس باراك، اجتمع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في باريس لبحث ترتيبات أمنية في جنوب سوريا، ما يؤشر إلى مدى اهتمام تل أبيب ببلورة تفاهمات جزئية تضمن لها منطقة عازلة خالية من التهديدات المتنوعة، من دون الاضطرار لتقديم تنازلات كبرى في ملف الجولان أو تطبيع العلاقات.


إن تفضيل إسرائيل الضمني لبقاء سوريا على ما هي عليه يعكس اقتناعها بأن وجود مناطق مستقلة (درزية في السويداء، كردية في الشرق، علوية في الساحل، سنّية في الوسط…) منفصلة إدارياً سيحول دون عودة سوريا كقوة إقليمية تواجه إسرائيل تقليدياً. فالوضع الفيدرالي في سوريا يريح إسرائيل استراتيجياً لأنه يحدّ من تأثير دمشق الإقليمي ويضعف قدرتها على دعم قوى إقليمية في لبنان أو فلسطين. أما “وحدة سوريا” وإعادة بناء جيشها فقد تفتح الباب مستقبلاً، (في حال كانت دمشق معادية) لجبهة مواجهة ممتدة من لبنان إلى الجولان. وبينما تدرك إسرائيل أن النظام السوري الجديد عدو لإيران وأكثر ميلاً للغرب (خاصة مع النفوذ التركي في ترتيبه)، إلا أنها لا تريد المجازفة. لذلك فهي تبقي الضغط العسكري والأمني مستمراً في الجنوب السوري لتضمن أن أي سلطة مركزية في دمشق، حال استعادتها السيطرة، ستراعي الخطوط الحمر الإسرائيلية. ويُلاحظ أن المحادثات الحالية بين إسرائيل وسوريا تركز فقط على التنسيق الأمني و”خفض التصعيد” الحدودي دون التطرق إلى تسوية شاملة للصراع أو استعادة دمشق لبعض من أراضي الجولان مثلاً. أي أن تل أبيب معنية بتحصيل مكاسب أمنية مباشرة، كتراجع النفوذ الإيراني وإبعاد الميليشيات عن حدودها وعدم اقتراب الإسلاميين المتطرفين المرتبطين بالنظام السوري الجديد من حدودها. إنها مقاربة براغماتية تضمن مصالح إسرائيل، وفي الوقت عينه تُبقي سوريا على وضعها الراهن على المدى الأطول.


هذا التباين في الأهداف بين دمشق وتل أبيب يرخي بظلاله على لبنان، خصوصاً أن “الورقة الأميركية” جاءت لتضع ترتيبات لبنانية نهائية تعتمد على قبول الجارين سوريا وإسرائيل بها. الورقة المقترحة، التي أعدّتها واشنطن بالتنسيق مع بيروت عبر الموفد باراك في حزيران الماضي، تطمح إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل بشكل دائم، عبر معادلة: نزع سلاح الميليشيات اللبنانية مقابل انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية دولية للبنان. وتتضمن أبرز بنودها: حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، حصر السلاح في يد المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، بسط سلطة الجيش على الحدود الجنوبية، انسحاب إسرائيل من المواقع المحتلة المتبقية في لبنان، ترسيم الحدود اللبنانية–الإسرائيلية بشكل نهائي، وأيضاً ترسيم الحدود اللبنانية–السورية بصورة واضحة. كما تدعو لعقد مؤتمر اقتصادي دولي لمساعدة لبنان، كرسالة واضحة للبنانيين بأن السلام الداخلي والخارجي سيجلب ازدهاراً يدعمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً.


غير أن تنفيذ هذه الرؤية الأميركية الطموحة يعتمد إلى حد كبير على موقف كل من سوريا وإسرائيل، اللذين لديهما حسابات مختلفة. فمن الجانب السوري، يعني ترسيم الحدود مع لبنان، خاصةً مزارع شبعا، حسم مسألة طالما أبقاها النظام السوري السابق معلّقة. إذ لطالما أعلن نظام الأسد أن شبعا أرض لبنانية، لمنح حزب الله الذريعة لمقارعة إسرائيل والإبقاء على سلاحه، لكن دون أن يوقّع بشار الأسد على أي وثيقة رسمية تؤكد ذلك. اليوم، إذا كانت دمشق الشرع جادة في إنهاء حالة حزب الله، فقد تقبل ترسيم الحدود اللبنانية–السورية والاعتراف صراحةً وتقديم مستندات بأن مزارع شبعا هي أراضٍ سورية، مما يزيل ذريعة “أرض لبنانية محتلة” التي يتذرع بها حزب الله. هذا سيخدم الورقة الأميركية عبر قطع أحد أهم مبررات استمرار سلاح الحزب. أما إذا توانت دمشق أو ربطت ترسيم الحدود الجنوبية بقضية الجولان، فسيبقى ملف شبعا معلّقاً، ما يوفّر لحزب الله وإيران ورقة للاستمرار في “المقاومة المسلّحة” بحجة أن السيادة اللبنانية غير منجزة بالكامل!


من الجانب الإسرائيلي، تنظر تل أبيب إلى بنود الورقة الأمريكية بانتقائية أيضاً. فهي ترحّب طبعاً بمبدأ نزع سلاح حزب الله وإنهاء دوره العسكري، لكنها تتوجس من تنفيذ التزاماتها المقابلة بسرعة. إسرائيل تطالب بأن يتم تفكيك ترسانة الحزب أولاً قبل أن تسحب قواتها من النقاط الحدودية الخمس أو توقف طلعاتها الجوية فوق لبنان. وقد ظهر ذلك في شروطها خلال التفاوض غير المباشر: إذ رفضت الحكومة الإسرائيلية مقترحاً قدّمه الرئيس نبيه بري بأن تبادر إسرائيل أولاً بوقف ضرباتها الجوية كخطوة لبناء الثقة، وأصرّت عبر الأميركيين على أن “لا وقف للغارات ولا انسحاب من أي شبر قبل صدور قرار رسمي لبناني بالشروع في نزع سلاح الحزب”. وبالفعل، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ تشرين الثاني 2024، وتعهد إسرائيل بالانسحاب الكامل من جنوب لبنان بحلول 18 شباط 2025 ضمن ذلك الاتفاق، لا تزال تحتل خمسة مواقع تلالية في الجنوب وتنفّذ غارات شبه يومية لضرب حزب الله. فإذا استمرت تل أبيب بهذه السياسة، أي المطالبة بنزع سلاح حزب الله دون تقديم ضمانات حقيقية أو وقف الاستهدافات، فقد يؤدي ذلك إلى إفشال الورقة الأميركية أو تأخيرها في أقل تقدير.


وثمّة تأثير غير مباشر لتناقض الخطط الإسرائيلية والسورية على لبنان أيضاً. فإسرائيل إذا بقيت منحازة لخيار الفدرالية أو التقسيم لسوريا، فقد لا تكون متحمسة لرؤية دولة لبنانية مركزية. تاريخياً، استفادت إسرائيل من ضعف الدولة اللبنانية ومن وجود قوى محلية متصارعة كالحرب الأهلية ومن ثم وجود ميليشيا قوية منافسة للدولة (حزب الله)، إذ أتاح لها ذلك تبرير عدم احترام "سيادة الدولة" في لبنان والاستمرار في اختراق أجوائه وأراضيه عند الحاجة. اليوم، إذا فشلت التسوية على الجبهة السورية، أي إذا لم تتوصل واشنطن لاتفاق بين دمشق وتل أبيب بشأن الجنوب السوري، فقد تنعكس سلباً على ساحة لبنان. مثال ذلك: لو شعرت سوريا أن إسرائيل تريد إدامة فرض ترتيبات أمنية تنتقص من سيادتها جنوباً، فقد تعود دمشق إلى تفعيل ورقة لبنان كورقة ضغط إقليمية، عبر غضّ النظر عن استمرار وضع مزارع شبعا على ما هي عليه، وعدم التجاوب مع الورقة الأميركية. عندها ستتعثر خطة نزع سلاح الحزب حتماً.


إذًا، الورقة الأميركية عالقة بين مصالح دمشق وتل أبيب، وإذا استمر التعارض بين أهداف سوريا وإسرائيل، فإن لبنان سيبقى ساحة تجاذب، وستبقى الورقة الأميركية مجرد حبر على ورق ووعوداً صعبة المنال.


ليس جديداً القول إن مصير القرار في لبنان غالباً ما يُرسم خارج حدوده. المشهد الحالي يُثبت ذلك بشكل جليّ: فاتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل العام الماضي، ثم خطة نزع السلاح الحالية، تم التوصل إليهما بتدخل ورعاية أمريكية–فرنسية مباشرة، وليس بإرادة لبنانية خالصة. اللبنانيون، المنهكون بانهيار اقتصادهم وصراعات ساستهم، وجدوا أنفسهم أمام خيارات مطروحة خارجياً لا يستطيعون رفضها ولا يملكون قدرة تنفيذها منفردين. فواشنطن اشترطت بوضوح أنه “لن يعود الموفد باراك إلى بيروت لاستكمال التفاوض ما لم تصدر الحكومة قراراً رسمياً بالشروع في نزع سلاح حزب الله”. وبالفعل، تبلّغ رئيس الحكومة نواف سلام من الرئيس الفرنسي ماكرون ومن توماس باراك، بصريح العبارة أن الكلام لم يعد كافياً، وأن على الحكومة اتخاذ خطوات فورية الآن كي لا يُحكم على اللبنانيين بالبقاء في دوامة الضربات والاستهدافات والجمود المدمر. توازياً مع ذلك، أوضح باراك لمسؤولي بيروت أن واشنطن لا تستطيع “إجبار” إسرائيل على شيء ما لم يلمس الإسرائيليون جدية لبنانية مطلقة في تنفيذ التزاماتهم، في إشارة إلى أن النفوذ الأميركي نفسه محدود أمام تعنّت تل أبيب إن لم يمتثل لبنان أولاً. هكذا وجدت الحكومة اللبنانية نفسها تحت ضغط هائل: فإما الخضوع للمطلب الأميركي–الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، وإما تعريض البلد لخطر حرب أوسع مع إسرائيل مجدداً. ووفق مصادر مقربة، تملك الطبقة الحاكمة قناعة بأن الفشل في تقديم التزام واضح بنزع سلاح الحزب قد يدفع إسرائيل لتصعيد ضرباتها وصولاً ربما إلى استهداف بيروت. هذا التهديد المبطّن كان حاضراً بقوة على طاولة مجلس الوزراء يوم 5 آب، ومن بعدها جلسة 7 آب، حين اتُخذ القرار بتكليف الجيش وضع خطة لنزع السلاح.


ورغم انسحاب الوزراء الشيعة احتجاجاً، مضت حكومة نواف سلام بالقرار التاريخي تحت شعار المصلحة الوطنية العليا. لكن ردّ حزب الله جاء حاسماً وسريعاً: بيان صادر في اليوم التالي وصف قرار الحكومة بأنه «خطيئة كبرى» واتهمها بالتفريط بسلاح “المقاومة خدمةً للمصلحة الإسرائيلية”. الحزب اعتبر ما حدث “انقلاباً على تفاهمات البيان الوزاري وتم بضغط وإملاء أميركي”، وأعلن أنه سيتعامل مع القرار “وكأنه غير موجود”. ليس هذا فحسب، بل خرجت تظاهرات في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق نفوذ حزب الله تندّد بالقرار وتؤكد “لن نسلّم سلاحنا”. هنا يظهر بوضوح كيف أن الطرف اللبناني المعني مباشرة، أي حزب الله، لا يعتبر نفسه ملتزماً بقرارات الدولة بل بموقف محور إيران. فطهران كانت قد حذّرت على لسان مرشدها علي خامنئي أن قضايا الخلاف مع أمريكا «عصية على الحل»، ما فُهم كمؤشر على رفضها الضمني لهذه التسوية. وعليه، يُجمع المراقبون أن موقف حزب الله الحقيقي يُصاغ في طهران أكثر مما يتحدد في الضاحية، فإذا ارتأت إيران أن مصلحتها الاستراتيجية الحفاظ على ورقة صواريخ الحزب كوزن إقليمي، فلن تسمح لحليفها بتسليمها مهما كانت الضغوط. ويمكن التذكير هنا بأنه خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، أعطت طهران لحزب الله ضوءاً أخضر مرناً مكّنه من تسهيل الاتفاق. أما اليوم، فيبدو أن الرسالة مختلفة.


في موازاة ذلك، إسرائيل أيضاً تمسك بخيوط مصير لبنان. فهي التي تقرر مستوى التصعيد العسكري على جبهتها الشمالية مع لبنان، وترسم خطوطاً حمراء على الأرض يصعب على أي طرف لبناني تجاوزها. فعندما طُرح في بيروت أن يبدأ نزع سلاح حزب الله تدريجياً بالتزامن مع وقف الغارات الإسرائيلية، رفضت تل أبيب مطلقاً تقديم أي خطوة أولى. وعندما حاول الرئيس بري انتزاع ضمانات عبر باريس وواشنطن لوقف الاعتداءات، جاء الرد الإسرائيلي بالرفض القاطع. أي أن قرار السلم والحرب جنوباً لا يزال فعلياً بيد إسرائيل، التي قد ترى في أي تلكؤ لبناني سبباً كافياً لإعادة قصف بيروت أو اجتياح الحدود. وقد اختبر اللبنانيون ذلك خلال حرب 2006، كما في المواجهة الأخيرة المرتبطة بحرب إسناد غزة، إذ اندلعت جبهة الجنوب اللبناني بقرار إسرائيلي–إيراني خارج إرادة الدولة اللبنانية تماماً. وبالتالي، حتى في زمن التسويات، يبقى سيف إسرائيل مسلطاً: إن لم يعجبها مسار تنفيذ الورقة الأميركية، تستطيع خلط الأوراق أمنياً خلال ساعات.



الخيارات أمام لبنان

أمام هذا المشهد المعقد، ما هي الخيارات المتاحة أمام الدولة اللبنانية لتخفيف الاحتقان وضمان الاستقرار؟ في الواقع، الخيارات قليلة وصعبة:


1- المضي قدماً في تنفيذ الورقة الأميركية بحذافيرها: أي التزام الحكومة اللبنانية الصارم بنزع سلاح كل الجماعات غير الشرعية، وعلى رأسها حزب الله، ضمن جدول زمني محدد ينتهي مع نهاية العام الحالي. هذا الخيار هو الرسمي المعلن حالياً، ويحظى بدعم غربي وعربي واضح، وقد يفتح الباب للحصول على مساعدات اقتصادية وأمنية كبيرة للبنان. كما أنه قد يؤدي أخيراً لبسط سيادة الدولة على الجنوب وتأمين الحدود بمساعدة قوات الأمم المتحدة. إيجابياته: استعادة هيبة الدولة داخلياً وخارجياً، كسب ثقة المجتمع الدولي، إزالة ذريعة إسرائيل للاعتداء، وربما إدخال لبنان في حقبة سلام وازدهار نسبي. أما سلبياته ومخاطره: أنه يصطدم بواقع داخلي شرس، فحزب الله وحلفاؤه أعلنوا بوضوح رفضهم المطلق لهذا المسار. محاولة نزع سلاح الحزب بالقوة أو بالإكراه السياسي قد تؤدي إلى تفجير صراع داخلي (انقسام طائفي حاد وربما مواجهة عسكرية على غرار أحداث 7 أيار 2008). كذلك نجاح هذا الخيار مشروط بتجاوب إسرائيل؛ فإذا نكثت تل أبيب بوعودها ولم تنسحب أو استمرت بانتهاكاتها، سيبدو كأن لبنان قدّم تنازلاً مجانياً من دون مقابل، مما سيفجّر الأوضاع مجدداً. إذًا، إما اختراق تاريخي نحو دولة مستقرة، أو فتيل لعدم استقرار أهلي جديد إذا فشل التنفيذ المتوازن.


2- الحوار الداخلي حول إستراتيجية دفاعية ودمج سلاح حزب الله: يطرح بعض اللبنانيين (حتى من معارضي حزب الله) مقاربة أكثر تدرجاً: فتح حوار وطني صريح حول إستراتيجية دفاعية جديدة، يتم فيها الاتفاق على دور سلاح حزب الله ضمن منظومة الدولة بدل نزعه كلياً دفعة واحدة. وقد لمح الحزب نفسه إلى استعداده لمناقشة “استراتيجية حماية لبنان” ضمن حوار وطني، ربما أملًا بكسب الوقت أو بتحسين شروط التفاوض. هذا الخيار يعني التوصل إلى صيغة تحفظ ماء وجه حزب الله، يعترف الحزب بمرجعية الدولة وقرارها بالحرب والسلم، ويوافق على دمج قدراته العسكرية تدريجياً ضمن الجيش أو وضعها تحت إمرة قيادة الجيش، وفي المقابل تلتزم الدولة بتوفير ضمانات. إيجابيات هذا المسار: يجنّب الصدام الداخلي المباشر بين الجيش وحزب الله، كما قد يقنع شريحة واسعة من الشيعة بأن أمنهم لن يضيع. كذلك يمكن للبنان تسويقه خارجياً بأنه حل لبناني–لبناني ينفذ جوهر القرار 1701 (بسط سلطة الدولة) ولكن بصيغة تدريجية. سلبياته: أنه يتطلب ثقة عالية مفقودة حالياً بين الأطراف، ويحتاج قبولاً إسرائيليًا ودولياً. وإسرائيل سترفضه باعتباره إبقاءً لحزب الله بحلة جديدة، كما أن واشنطن قد لا ترضى بأقل من التفكيك الكامل. أيضاً هذا الخيار يرسّخ سلاح الحزب لفترة أطول وربما يشرعنه! ما لا توافق عليه مكونات لبنانية أساسية تعتبر ذلك إبقاء لدولة ضمن الدولة. أي أنه حل صعب إن لم يكن مستحيلاً.


3- تبني طرح الفدرالية أو اللامركزية السياسية الكاملة: وهو خيار بدأ يجد صدىً متزايداً في النقاش العام كحل جذري للتوترات الطائفية المتكررة. تقوم الفكرة على إعادة صياغة النظام اللبناني جذرياً ليصبح اتحاداً فيدرالياً مؤلفاً من كيانات محلية ذات حكم ذاتي واسع على أساس طائفي جغرافي. وهناك بالفعل من صاغ مسودات لدستور فدرالي واقترح تقسيم لبنان إلى أربع وحدات: فيدرالية مسيحية، فيدرالية شيعية، فيدرالية سنّية، وفيدرالية درزية، بحيث تتمتع كل مجموعة بقدر كبير من إدارة شؤونها الذاتية ضمن إطار الدولة. ووفق تصور إحدى المبادرات، “جمهورية لبنان الفدرالية هي فيدرالية تضم 4 مجموعات إثنية–ثقافية مختلفة ذات تاريخ مشترك جزئي وتتقاسم المناطق”. في سياق سلاح حزب الله، يمكن لهذا الطرح أن يقدّم حلاً موارباً: إذ يصبح لسكان الجنوب (غالبيتهم شيعة) حق تقرير شؤونهم الأمنية ضمن إقليمهم الفدرالي، وربما يتحوّل سلاح حزب الله إلى قوة دفاع لمناطقهم ضمن إطار فدرالي مستقل سياسياً عن باقي المناطق بدل اعتباره ميليشيا خارجة عن الدولة. في المقابل تحصل بقية المكونات على تطمينات بأن قرار الحرب خارج إقليم الجنوب لن يكون بيد حزب الله. إيجابيات الفدرالية المقترحة: تخفيف الاحتقان الطائفي عبر فصل السلطات محلياً وإعطاء حق تقرير المصير والأمن الذاتي للمكونات المؤسِّسة للبنان، وإبعاد شبح الحروب الأهلية لأن كل طرف يدير مناطقه وشؤونه بحرية (فلا صراع على المناصب المركزية كما هو الحال الآن). كما أن المناطق غير الشيعية ستتمكن من النهوض بمعزل عن أي عقوبات أو مغامرات مرتبطة بسياسة حزب الله الإقليمية. أما سلبياته، فهو يحتاج توافقاً مستحيلاً راهناً!


4- الرهان على تسوية إقليمية شاملة (مقايضة كبرى): يتمثل هذا الخيار في تدويل الأزمة اللبنانية وربطها بملفات الشرق الأوسط الأوسع، بحيث تُحلّ حزمة واحدة. مثلاً، يمكن للبنان أن يستفيد من أي مفاوضات أميركية–إيرانية مستقبلية، حول النووي أو أمن الخليج، ليطرح قضيته كجزء من صفقة شاملة: نزع سلاح حزب الله مقابل ضمانات لإيران وربما مقابل انسحاب إسرائيل من الجولان أو جنوب سوريا. هذا سيناريو افتراضي لكنه غير مستبعد تماماً في لعبة المقايضات الكبرى. إيجابياته: أنه يحقن الحلول بعوامل قوة ملزمة (أي اتفاق دولي برعاية أممية يفرض على الجميع الالتزام، كما حصل في منازعات دولية عديدة). وقد يضمن معالجة جذور المشكلة لا ظاهرها فقط؛ فإخراج إيران من المعادلة برضاها وضمان أمنها سيجعل سلاح حزب الله ورقة تفاوض فائضة عن الحاجة. لكن سلبيات هذا المسار: أنه غير مضمون أبداً ويعتمد على إرادة لاعبين كبار لا يهتمون كثيراً بالتفاصيل اللبنانية. ثم إن تعقيدات العلاقة الأميركية–الإيرانية حالياً تجعل أي صفقة شاملة بعيدة المنال. كما أن إدخال ملفات بحجم الجولان السوري والصراع الإيراني–الإسرائيلي قد يؤجل حل قضية لبنان لسنوات طويلة ريثما تنضج التسويات الكبرى – فيما البلد يكاد ينهار داخليًا على نفسه.


5- تعزيز وضع الدولة والجيش مع كسب الوقت: قد يختار لبنان في المحصلة استراتيجية تمرير الوقت إذا فشلت كل السبل؛ بمعنى أن تُجمّد الحكومة قرارها (تحت ضغط فريق متعنت داخلياً) وتكتفي بخطوات بديلة أقل حساسية: كفرض سلطة الجيش في مناطق محددة، تفكيك مخيمات المسلحين الفلسطينيين، تشديد ضبط الحدود لمنع أي احتكاك مع إسرائيل، وتحصيل بعض المكتسبات الاقتصادية من مؤتمر الدعم الدولي الذي وعدت به الورقة الأميركية. بالتوازي، يتم السعي لإبقاء الهدوء قائماً قدر الإمكان عبر التنسيق مع واشنطن وباريس لردع أي تصعيد من إسرائيل، ومع إيران لفرملة أي تصعيد من حزب الله. هذا النهج يعني عملياً المراوحة المنظمة: لا حل جذري لسلاح الحزب الآن، لكن لا حرب أيضاً، أي إبقاء الوضع على ما هو عليه مع تحسينه تدريجياً. إيجابيات هذا الخيار: تجنب المخاطر الكبيرة الفورية (لا حرب أهلية ولا مواجهة مع إسرائيل في المدى المنظور)، والتركيز على تخفيف معاناة الناس الاقتصادية عبر المساعدات الدولية التي قد تتدفق لتشجيع الاستقرار. السلبيات: أنه يطيل أمد وضع اللا سلم واللا حرب، ويبقي سلاح حزب الله شوكة في خاصرة الدولة، ويُبقي لبنان تحت رحمة أي حادثة قد تشعل النزاع مجدداً. كما أنه سيكون نكسة لتعهدات الحكومة أمام الأميركيين والمجتمع الدولي والأهم أمام اللبنانيين، مما قد يفقد بيروت المصداقية ويعرضها لتحديات لا نعرف مداها، وطبعاً غضب المانحين. إنه باختصار شراء للوقت ريثما تتغير الظروف الداخلية لصالح حل أكثر ديمومة.


هذه السيناريوهات الخمسة ليست متساوية الحظوظ، لكنها كلها مطروحة ضمناً في نقاشات الكواليس. قد ينتهي المطاف بمزيج منها: كأن يتبنى لبنان رسمياً الخيار الأول (تنفيذ الورقة) لإرضاء واشنطن، بينما عملياً يُطبّق الخيار الخامس (التدرج وكسب الوقت) على الأرض إذا تعذر المضي قدماً. أو ربما يُفتح حوار وطني كما في الخيار الثاني لتهدئة خواطر الشيعة وإشراك الحزب في حل ما، بالتزامن مع ضغط دولي متواصل لتحقيق جوهر الخيار الأول.


تبقى الفدرالية الحل الأسلم والأصلب، لكن حالياً ليس هناك من رافعة دولية وإقليمية لهذا الحل، إلا إذا انهار النظام اللبناني كلياً ودخل البلد في صراع مفتوح، عندها فقط قد يصبح طرح إعادة بناء نظام لبناني جديد مطروحاً بجدية.


في المحصلة، المطلوب من القيادات اللبنانية قدر عالٍ من الحكمة والبراغماتية. فلبنان عالق بين مطرقة المطالب الدولية وسندان التهديدات الوجودية. وستكون أي خطوة لها تبعات عميقة على ما تبقّى من البلد وأهل البلد.


السياسة الحكيمة المطلوبة من الجميع من دون استثناء، تقتضي إيجاد تسوية داخلية تقلّل اعتماد لبنان على الخارج في تقرير مصيره، وتُطمئن كل المكوّنات بأن لا أحد مستهدف وجودياً. عبر إحياء حوار جدّي وعميق لإتفاق فدرالي، مبني على مبدأ لا غالب ولا مغلوب لكن في إطار لا مركزية سياسية موسّعة وحكم ذاتي. هذا الاتفاق يمكنه إنهاء حقبة لم تبدأ مع بداية الحرب الأهلية في العام 1975 ولم تنتهِ حتى اليوم بصراعات عقيمة، كحصرية السلاح بيد الدولة المركزية من دون أخذ بعين الاعتبار التعددية السياسية والأجندات المختلفة لكل مكوّن، وحفظ كرامة جميع الطوائف وحرية تقرير مصيرهم. هذا الحل الداخلي هو الأكثر مثالية من التصور الأميركي الحالي، وأكثر قابلية للصمود على المدى الطويل.



رهان أميركي محفوف بالمخاطر

تضع الولايات المتحدة اليوم بثقلها وسمعتها وراء مشروع نزع سلاح حزب الله وترتيب الوضع الحدودي في لبنان وسوريا. إنه رهان كبير من إدارة ترامب التي يبدو أنها تعتبر اللحظة مؤاتية لتحقيق ما عجزت عنه إدارات سابقة: تفكيك أهم تشكيل عسكري حليف لإيران في المنطقة، وتأمين حدود إسرائيل الشمالية بالكامل لأول مرة منذ عقود. بلا شك، التوقيت مغرٍ لواشنطن: فحزب الله خرج منهكاً من حرب استنزاف مع إسرائيل دامت أكثر من عام، ومن أزمة مالية خانقة نتيجة الحصار الدولي عليه، وانهيار نظام الأسد الذي كان يؤمّن الممر لحزب الله من إيران إلى لبنان عبر سوريا. القاعدة الشعبية للحزب في حالة تململ بعد خسائر الحرب وتردي الأوضاع المعيشية، وإيران نفسها ترزح تحت ضغط عقوبات أميركية قصوى وتوتر داخلي، وربما ليست بوارد خوض مغامرات كبرى في لبنان حالياً. كذلك إسرائيل اليمينية برئاسة نتنياهو تبدو مستعدة لتعاون تكتيكي مع إدارة ترامب (حليفها) إذا ضمن لها هذا مكسباً أمنياً تاريخياً. وأخيراً، سوريا أُنهكت بعد حرب أهلية طويلة، ونظامها الجديد يسعى لنيل اعتراف دولي ودعم اقتصادي، ما قد يدفعه للتجاوب مع الطروحات الأميركية ولو جزئياً. كل هذه العوامل ربما أوحت لواشنطن أن الفرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر: تحجيم نفوذ إيران الإقليمي بضربة قاضية لسلاح حزب الله، وترسيخ أمن إسرائيل من جهة الشمال تمهيداً لترتيبات سلام أوسع مستقبلاً.


لكن هذا الرهان الأميركي ينطوي على مجازفة هائلة قد تؤدي إلى نتائج عكسية إن ساءت الحسابات. أول مكمن خلل هو الافتراض بأن حزب الله سيرضخ للضغط ويسلّم سلاحه طوعاً. التاريخ القريب والبعيد ينفي ذلك: فالحزب خاض حرباً ضروساً عام 2006 رغم موازين القوى المختلة لأنه شعر بتهديد لسلاحه، وقام في 2008 باجتياح بيروت عسكرياً عندما حاولت الحكومة مسّ شبكة اتصالاته. أي أنه لن يتوانى عن استخدام قوته الداخلية إذا استشعر خطراً وجودياً. واليوم، ورغم كل الضغوط، كان موقف الحزب حاسماً بأنه لن يسلم سلاحه بل وقد ينقلب على الحكومة نفسها إذا أصرت. فإن مضت واشنطن قدماً بدون خطة احتواء لهذا الرد، فقد يفجّر لبنان داخلياً. صحيح أن الجيش اللبناني، وبدعم دولي، قد يحسم عسكرياً ضد الحزب نظرياً، لكن الثمن سيكون باهظاً للغاية من دماء اللبنانيين.


ثاني مكمن مخاطرة هو التعويل الأميركي على تعاون إسرائيل الكامل وإنجاحها للخطّة. فعلى الرغم من أن إسرائيل رحّبت علناً بالجهد الأميركي وخطوة الحكومة اللبنانية بإصدار قرارها نزع السلاح غير الشرعي، إلا أن سلوكها الميداني يبعث إشارات مقلقة. فهي لم توقف غاراتها حتى بعد التزام الحكومة اللبنانية بخارطة الطريق، بل كثّفتها ربما في محاولة لفرض شروط إضافية. وهناك خشية أن تستمر تل أبيب في المماطلة: كأن تطالب بتفكيك ترسانة الصواريخ الدقيقة أولاً قبل انسحابها، أو ترفض وقف طلعات الاستطلاع الجوية فوق لبنان بحجة استمرار وجود خلايا إيرانية–حزبلاوية. بهذا الشكل، قد تجد بيروت نفسها قامت بما عليها دون أن تحصل على شيء ملموس بالمقابل، مما يحرج الحكومة ويعزز سردية حزب الله بأنه وقع في الفخ الإسرائيلي.


كما يُنظر بقلق إلى عامل الوقت والجدول الزمني الضيق الذي وضعته واشنطن (نهاية العام 2025). هذا التسريع الكبير للأحداث قد لا يراعي تعقيدات الوضع اللبناني. فمنذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، لم يستطع أي حكم لبناني نزع سلاح حزب الله رغم عشرات جولات الحوار. فهل يمكن تصور إنجاز ذلك في بضعة أشهر فقط؟ إن الضغط الزمني يولّد التوتر وربما يدفع الأطراف لاتخاذ خطوات غير محسوبة. مثال ذلك، تسارع الحديث في أوساط بيئة حزب الله عن خيار “عليَّ وعلى أعدائي” إذا شعروا أن سلاحهم سيُنتزع بالقوة. والخشية أن تؤدي سرعة اندفاع واشنطن وباريس في هذا الملف إلى انهيار التهدئة الهشّة القائمة منذ وقف الحرب الأخيرة، إذ لم تمنح هذه الهدنة المجتمع اللبناني الوقت الكافي لترميم جسوره الداخلية بعد انقسامات الحرب. وما تحاوله الخطة الأميركية هو تسريع قفزة كبيرة دفعة واحدة دون شبكة أمان اجتماعية أو سياسية. وهذه مجازفة تاريخية شبيهة بمجازفة اجتياح العراق 2003 دون خطة لما بعد صدّام حسين، حين ظنّت واشنطن أن إسقاط النظام كفيل وحده بصنع شرق أوسط جديد، فكانت النتيجة فوضى وتمدد نفوذ إيران.


وأخيراً، هناك المخاطرة السياسية لواشنطن نفسها فيما لو فشل هذا المخطط، فإدارة ترامب عادت بقوة إلى مشهد الشرق الأوسط مع وعود بإنجاز “صفقة القرن” جديدة تشمل ربما سوريا ولبنان. فإن نجحت، سيُسجَّل ذلك إنجازاً سياسياً كبيراً لترامب، وربما يفتح الباب لجائزة نوبل للسلام. لكن إن فشلت، لا سمح الله، واستعر القتال في لبنان أو انهارت التسوية السورية، فسيسجّل التاريخ أن واشنطن تسببت بنكبة جديدة. قد تجد القوات الأميركية نفسها مضطرة للتدخل لحماية إسرائيل عسكرياً، مما يعني استنزافاً أميركياً لم يكن في الحسبان. كما أن مصداقية الولايات المتحدة كوسيط دولي ستكون على المحك، إذ كيف ستقنع كوريا الشمالية أو أي طرف دولي آخر بالالتزام باتفاقات إن لم تستطع إنجاح اتفاق في بلد صغير كلبنان؟ من هنا، بعض المراقبين في واشنطن حذّروا أن “أميركا تراهن بمصداقيتها في حقل ألغام شرق أوسطي”. وربما من الحكمة أن تراجع الإدارة الأميركية خطتها وترفع قدمها قليلاً عن دواسة السرعة، لتعطي فرصة لحلول أكثر تأنٍ ونضجاً. فبدل الإصرار على مهلة الأشهر المعدودة، يمكن مثلاً تبنّي خطة تتبنّى الفيدرالية في المنطقة على مراحل، تقترن بخطوات بناء ثقة متبادلة بين كل الأطراف، أو حتى قوات دولية مراقبة، كي لا يشعر أي طرف بأنه يتنازل تماماً دون ضمانات.


لا شك أن ما يجري اليوم على صعيد المفاوضات حول لبنان وجنوبه يرتقي إلى مستوى إعادة رسم توازنات إقليمية. فبينما تسعى سوريا الجديدة لتثبيت وحدة أراضيها واستعادة دورها، تعمل إسرائيل على ضمان أمنها عبر الإبقاء على بعض المسائل على حالها لإبعاد الخطر من حولها. وبين هذه وتلك، يقف لبنان الصغير بموقع ضعيف، لا يملك ترف تقرير مصيره بنفسه في لعبة الكبار.


الورقة الأميركية قد تكون بارقة أمل لإنهاء دورات العنف المزمنة في لبنان إذا أحسن اللاعبون الإقليميون انتهازها بالتوافق والتنازل المتبادل. لكنها أيضاً قد تصبح شرارة إشعال إذا استمر التعنت وتضارب الأجندات. يبقى على اللبنانيين، برغم كل شيء، ألا يستقيلوا من مسؤولياتهم الوطنية. فصحيح أن القرار اللبناني مرهون للخارج حالياً، لكن مسار الأحداث داخل لبنان وكيفية تفاعله يمكن أن يغير حسابات الخارج أيضاً. فعلى القيادات اللبنانية على اختلافها، أن يجتمعوا على كلمة سواء لحماية سلمهم الأهلي بأي ثمن، سواء عبر تسوية داخلية تاريخيّة على أساس فيدرالي وتقديم طرح بديل مقنع للمجتمع الدولي. وعليهم أيضاً تحصين جبهاتهم الداخلية ضد الاستفزازات، فلا يُستدرجون إلى صدام أهلي يبدد آخر ما تبقى من هذا البلد وأهله المساكين.


في ظل كل هذه الأحداث، يبرز درس واحد: لا بديل للبنان عن تعزيز مناعة مناطقه من مغامرات مستقبلية لأي مكوّن لبناني. وقد يأتي الدعم من الخارج اليوم أو غداً، لكن إن لم يكن اللبنانيون أنفسهم جاهزين، ومؤسساتهم لديها المناعة وبنيتهم التحتية تحتمل الكوارث، وصيغة الحكم صلبة تتحمل الضربات بعد القيام بتعديلات دستورية جذرية وعميقة كالفدرالية، فإن أي حل مفروض لن يدوم. التاريخ علّمنا أن الحلول المستوردة تبقى هشة ما لم تتجذّر محلياً. ولعل في تجربة اتفاق القاهرة 1969 ثم الطائف 1989 عبرة: الأول فرضته قوى خارجية وفشل سريعاً، والثاني صادف قبولاً واسعاً عربياً، لكنه عمّق الأزمات وأوصلنا إلى هذا الدرك غير المسبوق.


على اللبنانيين أن يصيغوا رؤيتهم الواقعية الخاصة لكيفية إنقاذ مناطقهم وبالتالي البلد، ضمن قراءة تاريخية ومستقبلية، وألا يراهنوا فقط على تبدّل المصالح الإقليمية والدولية. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، بين فرصة سلام تاريخي تلوح في الأفق، وبين أزمات وانهيارات وانفجارات كربلائية مدمّرة، لا قدّر الله.