رنا شمص

حزب الله: حين يتحوّل السلاح إلى هويّة سياسيّة

4 دقائق للقراءة

منذ عقود، لم يختلف اللبنانيون على مبدأ حق الشعب في الدفاع عن أرضه وكرامته بوجه أي احتلال أو اعتداء خارجي. فالمقاومة، بحد ذاتها، ليست إشكاليّة: هي حق مشروع، بل واجب وطني. لكن الإشكاليّة تبدأ عندما تتحوّل المقاومة من وسيلة مؤقتة إلى بنية فكريّة وعقائديّة بديلة عن الدولة، بحيث يصبح السلاح ليس مجرد أداة ردع، بل هويّة سياسيّة كاملة، تتقدّم على الدستور والقانون ومفهوم الدولة الحديثة.



من كربلاء إلى السياسة

إنّ فهم تعقيدات حزب الله لا يقتصر على كونه طرفًا يواجه إسرائيل، ولا على كونه لاعبًا إقليميًا في صراع النفوذ بين إيران والغرب. الإشكاليّة الأعمق تكمن في البنية الفكريّة التي يستند إليها الحزب، وفي الطريقة التي صاغ بها رؤيته السياسيّة والاجتماعيّة.


فالتقليد الشيعي السياسي مبني إلى حدّ بعيد على ذاكرة المظلوميّة التاريخيّة، من كربلاء حتى يومنا هذا. هذه الذاكرة لم تُترجَم فقط كوعي ديني، بل كمنطق سياسي دائم: خطاب "الوجود المهدّد" و"الخوف من الزوال"، حتى حين يتحوّل الشيعة إلى قوّة وازنة في الدولة.


بهذا المعنى، تُستدعى كربلاء باستمرار كمرجعيّة سياسيّة، فتُدار في الحاضر بلغة الصراع والدم والشهادة. والنتيجة أنّ السياسة لا تُبنى على المؤسّسات، بل على ذاكرة الصراع واستدعاء الشهادة. وهو ما يضعف أي إمكانيّة لقيام مشروع دولة حديثة قائمة على العقد الاجتماعي، لا على التعبئة الوجدانيّة.



فقه المقاومة بدل فقه الدولة

المسألة الأخرى التي تجعل حزب الله أكثر تعقيدًا هي أنّ اجتهاده الفقهي والسياسي لم يتطوّر ليصبح فقهًا مؤسّسيًا حديثًا يوفّر ضمانات متساوية لجميع اللبنانيّين. بل ظلّ محصورًا في فقه المقاومة والسلاح، أي في كيفية تبرير استمرار القوّة المسلّحة ودورها العابر للحدود، أكثر مما هو معني ببناء نظام سياسي جامع.


وهذا ما يجعل الحزب، في جوهره، يعيد إنتاج الطائفة كـ"جماعة مغلقة" تخاف الزوال وتحصّن نفسها خلف السلاح، بدل أن تنفتح لتكون شريكًا في صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الطوائف.


الخطورة هنا أن بقاء السلاح يصبح مبرّرًا بوجود عدو، فيما تغيب الدولة وتُستبدل عمليًا ببدائل: "ولاية الفقيه" من جهة، و"الهويّة الكربلائيّة" من جهة أخرى. وبدل أن يكون الحزب رافعة للدولة، تحوّل إلى بديل عنها في الأمن والخدمات والقرار السياسي.


لكن هذا الخيار لا يمكن أن يبني دولة. الدولة تُبنى على المؤسّسات الشرعيّة الجامعة، على قضاء مستقل، على جيش موحّد، على عقد اجتماعي يساوي بين المواطنين. وكل ما عدا ذلك، مهما بدا قويًا، يبقى مشروعًا جزئيًا مرهونًا بالظرف وبالميزان الإقليمي.



التخوين كسلاحٍ موازٍ

لا يقف التعقيد عند حدود السلاح المادّي فحسب، بل يمتد إلى سلاح الخطاب. فمجرد طرح مسألة نزع سلاح حزب الله أو البحث في دمجه ضمن استراتيجيّة دفاعيّة وطنيّة، يُواجَه عادةً بتهمة "العمالة" أو "الانخراط في مشروع أميركي ـ إسرائيلي". هذه التهمة لم تقتصر على الأفراد أو الأحزاب المعارضة للحزب، بل طالت حتى الحكومة اللبنانية حين حاولت فتح نقاش جدي حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة.


بهذا المعنى، يصبح النقاش الوطني مُصادَرًا مسبقًا: فبدل أن يُنظر إلى المطالبة بتنظيم السلاح كجزء من مسؤولية الدولة في حماية سيادتها، يُقدَّم وكأنه خيانة. وهذا المنطق يقفل الباب أمام أي حوار حقيقي، ويحوّل السلاح من قضيّة سياسيّة قابلة للنقاش، إلى تابو يهدّد أصحابه بالتخوين والإلغاء.



لبنان بين مطرقة العدو وسندان الانقسام

لا شك أن إسرائيل تشكّل خطرًا على لبنان والمنطقة، لكن مواجهة الخطر الخارجي لا يمكن أن تبرّر تفكيك الداخل أو تعطيل الدولة. فالمعادلة التي اعتمدها حزب الله ـ "لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة" ـ تحوّلت عمليًا إلى تعطيل لبناء الدولة، بل إلى هيمنة على قرارها. وهكذا، دخل لبنان في حلقة مفرغة: دولة ضعيفة تبرّر وجود المقاومة، ومقاومة قوية تضعف الدولة أكثر فأكثر.


إنّ أي حل لأزمة لبنان لا يمر فقط عبر معالجة مسألة السلاح، بل عبر إعادة تعريف المشروع السياسي. فالمطلوب ليس إلغاء المقاومة، ولا شيطنة طائفة بأكملها، بل بناء مشروع وطني جامع يتّسع للجميع، وينقل الشيعة وسواهم من منطق "الخوف من الآخر" إلى منطق "الشراكة مع الآخر".


هذا المشروع لا يمكن أن يقوم على المظلوميّة أو على استدعاء كربلاء، ولا على ولاية الفقيه، بل على صياغة دولة مدنيّة حديثة، تضمن الحقوق وتُقيم العدالة وتُوزّع السلطة بشكل عادل.


في النهاية، العدو الخارجي قد يبرّر بقاء السلاح إلى حين، لكن غياب الدولة لا يمكن أن يُعالج باستبدالها بكيان عقائدي مغلق. المقاومة تكتسب معناها وشرعيتها حين تكون في خدمة الدولة، لا حين تصبح بديلًا عنها. وما لم يتحوّل حزب الله إلى شريك في بناء دولة مؤسّساتيّة جامعة، سيبقى السلاح عبئًا على لبنان بقدر ما هو قوّة ردع في وجه العدو.