نايف عازار

مناورات "الاقتدار المستدام"... قوّة إيرانية حقيقية أم "استعراض كرتوني"؟

4 دقائق للقراءة
خلال المناورات البحرية الصاروخية التي نفذتها إيران (رويترز)

يحاول "النمر الإيراني النازف" من جرّاء حرب إسرائيلية - أميركية مدمّرة أعادت قدراته العسكرية "سنين نووية" إلى الوراء، الإطلالة مجدّدًا على المشهد الدولي بمظهر "القوّة العظمى" التي تشظّت لكنها لم تسقط، في وجه أعتى الضربات الإسرائيلية التي استمرّت 12 يومًا، وأتت في حزيران المنصرم على أنظمة الدفاع الجوي للجمهورية الإسلامية وكبار قادتها العسكريين وعلمائها النوويين، واختُتمت بضربات أميركية قاصمة لمفاعلاتها النووية.



إطلالة "النمر الجريح" العسكرية تجلّت في مناورات بحرية صاروخية نُفذت في خليج عُمان والمحيط الهندي وتخلّلها إطلاق صواريخ "كروز" وطائرات مسيّرة على أهداف في المياه المفتوحة، في وقت أكدت فيه وسائل إعلام إيرانية أن هذه المناورات تأتي بعد حوالى شهر من تدريبات إيرانية - روسية كان مسرحها بحر قزوين أي في المياه الشمالية الإيرانية، بينما مناورات "الاقتدار المستدام" الأخيرة تمت في مياه البلاد الجنوبية.



"عرض العضلات" الإيراني هو الأوّل من نوعه إذًا بعد الحرب الإسرائيلية - الأميركية الضروس، التي حرصت في خلالها تل أبيب وواشنطن، وفي خطوة لافتة، على تحييد القوة البحرية الإيرانية التي لا يُستهان بها عن الضربات، والتي لم تشركها طهران أيضًا في الحرب، بل اكتفت باستخدام منصّات برية لإطلاق صواريخ أوجعت الدولة العبرية، وألحقت بها دمارًا مَهولًا وغير مسبوق.



مناورات "نظام الملالي" البحرية أُريد منها إيصال رسائل دولية إلى من يعنيهم الأمر، مفادها أن القوة البحرية الإيرانية لم تُمس حقًا إبّان الحرب الأخيرة، وأنها على أهبّة الاستعداد للتدخل، في حال نشوب أي حرب جديدة مع الدولة العبرية، وهذا ما يتماهى مع مواقف المسؤولين الإيرانيين وتصريحاتهم شبه اليومية التي يتوعّدون فيها بـ "ردّ مزلزل" على أي هجوم إسرائيلي جديد.



المناورات البحرية ترمي كذلك إلى طمأنة الداخل الإيراني الذي مُنِي بنكسة معنوية كبيرة، بعد تدمير منشآت البلاد وقدراتها النووية في أيام معدودة، والتي كلّفت الإيرانيين "الغالي والنفيس"، فقد خصّصت طهران على مرّ السنين مليارات الدولارات للبرنامج النووي، وهي مليارات سُحبت من أفواه الإيرانيين المُكَبّل اقتصادهم بفعل العقوبات الغربية الموجِعة، لتتبخر سريعًا من جرّاء القصف الإسرائيلي والتدخل الأميركي الكاسر والحاسم.



"العراضة البحرية" تهدف أيضًا إلى توجيه رسائل نارية إلى معارضي نظام الملالي في الداخل والخارج، الذين تنفّسوا الصعداء مع بدء الحرب على إيران، آملين في أن تساهم في زعزعة أسس نظام قمعي مترهّل وتمهّد لتهيئة ظروف ملائمة لإسقاطه من الداخل، بعدما ألهمتهم تجربة السوريين الذين نجحوا في التخلّص من "الحقبة الأسدية السوداء"، بعدما باتت الظروف مهيّأة لذلك.


بيد أن قادة بلاد فارس وبعدما تلقوا الضربات الإسرائيلية والأميركية المؤلمة، آثروا انتهاج خيار "عدم الانتحار السياسي"، والحفاظ على ما تبقى من أسس النظام، وبالتالي التعاطي بـ "براغماتية" مع التطوّرات حمايةً لرأس النظام، وقد أتى الوقت بعد حوالى شهرين لـ "تشمّر طهران عن زنودها" وتستعرض قوّتها البحرية، وتقول للقاصي والداني إنها لا تزال قوّة إقليمية قادرة يُحسب لها ألف حساب، خصوصًا بعد خسارة إيران أذرعها تباعًا في المنطقة التي تساقطت كـ "أحجار الدومينو" بفعل الحروب الإسرائيلية المتواصلة عليها.



كذلك تريد الجمهورية الإسلامية من المناورات مخاطبة واشنطن "نوويًا" ومن ورائها الأوروبّيين، في ظلّ استمرار "الكباش النووي" بين الغرب وطهران التي ترفض حتى الآن الجلوس إلى مائدة المفاوضات أو حتى التعاون كما في السابق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد حرب حزيران الفائت، وتهدف بذلك إلى وضع أوراق قوّتها البحرية على طاولات الكبار، لمقارعتهم فيها وتعزيز موقعها التفاوضي.


ويبقى للأسابيع والأشهر القليلة المقبلة أن تثبت زيف العراضة البحرية العسكرية الإيرانية من عدمه، وما إذا كانت مناورات "الاقتدار المستدام" تنمّ عن اقتدار عسكري إيراني حقيقي وفعلي على أرض الواقع يعكس قوة طهران ويمكن صرفه على مائدة المفاوضات، أم أنه مجرّد "استعراض كرتوني"، يكون ربّما "أوهن من بيت العنكبوت".