يقول الفيلسوف كارل ماركس: «التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة». قد لا يعيد التاريخ نفسه حرفيًا، لكنه غالبًا ما يتشابه في جوهره، وتتكرر أحداثه حين تتشابه أسبابها. بين طهران وبيروت، تتشابه قصة تحالف اليسار العلماني مع التيارات الإسلامية الراديكالية في الجوهر والشكل والنتيجة، لتكشف عن مأساة تاريخية تتكرر فصولها.
سنة 1979، اندفع اليسار بجميع أطيافه في إيران، من حزب «توده» إلى «فدائيي خلق»، ليضع يده في يد الخميني وأنصاره ضد حكم الشاه. كانت الثورة الإيرانية حلمًا ورديًا بالحرية والعدالة وبناء دولة ديمقراطية تقود شعبًا يحمل حضارة إنسانية عريقة. لكن أحزاب اليسار سرعان ما تحولت إلى ضحية. فما بين عامي 1981 و1983، سحقت السلطة الإسلامية حلفاءها من التنظيمات اليسارية، ثم بلغت المأساة ذروتها في مجازر 1988 التي أُعدم فيها آلاف السجناء السياسيين في واحدة من أبشع صفحات التاريخ الإيراني الحديث.
كانت النتيجة أن أصبحت الأمة الإيرانية تحت هيمنة «ولاية الفقيه»، تسير نحو الحروب والفقر والصراع تحت شعار «تصدير الثورة».
في لبنان الثمانينيات، شكّلت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمّول) تحالفًا ضمّ شيوعيين وقوميين ويساريين، قاوموا الاحتلال الإسرائيلي جنبًا إلى جنب. نفذت هذه الجبهة عمليات انتحارية -استشهادية مهمة ما زال التاريخ يذكرها، لكن صعود حزب الله، الذي بناه من الصفر الحرس الثوري الإيراني كما يشير عبد الحليم خدام في مذكراته والمدعوم ماليًا وعسكريًا من إيران، غيّر قواعد اللعبة.
شيئًا فشيئًا، جرى التضييق على فصائل اليسار وتهميشها ونال الشيوعيون الحصة الكبرى لأن قياداتهم وكادراتهم الأساسية كانت من الطائفة الشيعية التي كان يعمل حزب الله عل حصر قرارها فيه.
أعادت تقارير صحفية فتح ملف اغتيالات شخصيات يسارية مثل مهدي عامل وحسين مروّة، مما أثار جدلًا واسعًا حول مسؤولية حزب الله عن هذه التصفية. أما القوميين السوريين فقد تم تدجينهم وتقسيمهم وتحويلهم الى مجرد أبواق اعلامية للدعاية لحزب الله.
يكفي أن نرى "الصحافيات" القوميات واليساريات وهن يرتدين الملابس الغربية العصرية، ويصففن شعرهن وفق أحدث صيحات الموضة العالمية، ثم يتصدرن شاشات التلفزة مدافعات بشراسة وتصميم عن حزبٍ يفرض الشادور بالقوة. هذه المفارقة ترسم أمامنا لوحة سريالية تتداخل فيها ألوان متناقضة وغريبة، فتجسّد التناقض الثقافي والحضاري، وتعكس في عمقها المأساة الفكرية التي يعيشها هؤلاء.
في النهاية لا أحد يمكن أن ينكر الحقيقة الواضحة كالشمس. فقد تحوّلت المقاومة في الجنوب إلى راية واحدة، وسلاح واحد، وصوت واحد. الراية راية "حزب الله" والسلاح سلاح "حزب الله" والصوت صوت المقاومة الإسلامية - "حزب الله" المدعوم عقائديا وماليا وعسكريًا من إيران. هذا الدعم ليس بأمر سري فقد أكده وبكل فخر الأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصرالله، في خطاب عام 2016، حيث قال: «موازنة حزب الله… وكل ما يأكل ويشرب وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران».
في سياق آخر تعكس تصريحات الفنان المبدع زياد الرحباني صورة حية لهذا الصراع الثقافي - العقائدي الذي وضع اليسار نفسه فيه: «أنا شيوعي وحليف لحزب الله»، لكنه يضيف بمرارة: «بطل عندي حدا بالمتن يرد علي، والعالم تعيّرني بحزب الله. ما عاد فيك تدافع عن حزب الله بشكل متواصل...». ويشير إلى الفجوة الكبيرة بين الجانبين: «نحنا هيك عاملين حالنا إنو حلفا لحزب الله، وهوي ولا مرة عم بقول مظبوط إنتو حلفاء، ما في معاملة بالمثل». كما يعيد التساؤل المؤلم: «مين قتل الشيوعيين في سنة 1985؟ وقتها رفضنا نصدق إنو حزب الله عمل هيك....».
يتلاقى النموذجان، اليساري والإسلامي، عند اعتبار أنّ حدود الوطن لا تُرسم بالجغرافيا وحدها، بل بمدى انتشار "العقيدة" وتغلغلها في المجتمع. كما يجتمعان على استثمار "طاقة الغضب" الكامنة في صفوف الفقراء باعتبارها وقوداً للثورة والتغيير. وفي الحالة اللبنانية، يضاف إلى هذه المشتركات عاملٌ آخر ذو بعد وجداني وسياسي في آن، هو مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ورفع شعار تحرير فلسطين.
الفارق بين التجربتين الإيرانية واللبنانية يكمن في النتيجة: ففي إيران نضجت طبخة السلطة، فسيطرت الأحزاب الإسلامية بشكل كامل على الدولة، وحوّلت "العقيدة" إلى "دولة" تحتكر السلطة والسلاح، وتقمع كل من يختلف معها حتى الإبادة. أما في لبنان، فلم تكتمل الطبخة، فظهر حزب الله كـ«دويلة داخل الدولة» يحتكر قرار الحرب والسلم، ويقيم اقتصادًا موازيًا.
في الحالتين، دخل اليسار في تحالف مع حركة دينية استنزفت طاقاته، وامتصت قدراته، ثم استخدمته كوقود في مشروعها التوسعي، لينتهي فاقدًا قوته وأوراقه، بل ومبرر وجوده.. تشبه الصورة ما كتبه أحد الشيوعيين القدامى على مواقع التواصل الاجتماعي: «في صور، على جدار قديم لا يزال ملصق باهت لـ«جمّول». يقف رجل خمسيني يقرأ الأسماء الممحوة. يقول بمرارة: «قاتلنا الاحتلال جنبًا إلى جنب، ثم استفقنا على بندقية واحدة. أولاد رفاقي في المنافي، وها نحن متهمون بالانقسام إذا طالبنا بالخبز والكهرباء»... «في إيران بدأوا مثلنا… وانتهوا بلا يسار».
تجربة اليسار الإيراني تقول بوضوح: التحالف مع قوى دينية شمولية ينتهي دائمًا بابتلاع الأضعف. وفي لبنان، وإن لم يصل السيناريو إلى مستوى الإبادة، فقد انتهى بتهميش اليسار وتحويله إلى مجرد شاهد زور. والتاريخ يعيد الدرس نفسه: الحرية والعدالة والديمقراطية لا تُبنى تحت ظل الحكم الديني الأحادي، واليسار ما لم يستعد استقلاليته الفكرية والتنظيمية ويطور أساليبه القديمة وطرق تفكيره التقليدية سيبقى أداة عابرة في مشروع لا يمتّ إلى أهدافه بصلة. بالإضافة الى ذلك فإن لغته الموروثة من التجارب الشيوعية والقومية التي اجتاحت أوروبا وروسيا في بدايات القرن العشرين قد أثبتت عجزها عن بناء الدول التي بشّرت بها.