يحمل العديد من الأفلام العائليّة التي شكّلت طفولتي ذكريات حسيّة واضحة عن أوّل مرَّة شاهدتها فيها. وعلى الرُّغم من أنَّ مُعظمها كان من خلال المُشاهدة المنزليّة عبر أشرطة "كاسيت VHS" آنذاك، لتعذُّر الذّهاب إلى صالات السّينما خلال الحرب، لكنّني لا أنسى التفاصيل، من وقت وأحوال جويّة ومع من كنت أشاهدها وردّات أفعالي اللحظيّة البريئة على ما أسعدني أو صدمني في الفيلم. وأجمل تلك اللّحظات كان في صباحٍ صيفيّ هادئ من عام 1985، عندما شاهدت للمرّة الأولى فيلم "The Sound of Music"، الذي حمل لدى والديّ والكثيرين من أبناء جيلهما تقديرًا استثنائيًا، وأصرّوا على نقله إلى أولادهم.
أطلّ الفيلم للمرّة الأولى على شاشات السّينما عام 1965، ليحجز لنفسه مكانةً استثنائية في ذاكرة السّينما العالميّة. ستّة عقود مرَّت، وما زالت تلال Salzburg تحيا بالأغاني والرّقصات التي صنعت من المُمثّلة Julie Andrews وأطفال عائلة Von Trapp أيقوناتٍ خالدة. غير أنّ هذه الذكرى ليست مُجرَّد احتفال بنجاحٍ جماهيري أو إرثٍ موسيقيّ؛ بل هي فرصة لقراءة نقديّة تُوازن بين سحر الفيلم الذي لا يزول والتّاريخ الذي جرى تليينه، ورُبَّما تزيينه!
بين صرامة النَّقد والنّجاح الجماهيري
لم يلقَ الفيلم ترحيبًا نقديًّا واسعًا عند صدوره. فالنّاقد Bosley Crowther في صحيفة "The New York Times" نعتَه "بـالمُريح المُبتذل"، فيما ذهبت النّاقدة اللّاذعة Pauline Kael أبعد من ذلك، واعتبرته "أداةً لقمع الحريّة الفنيّة". خلف هذين الحكمين تكمنُ نقطة ضعف أساسيّة، تتجلّى في المُعالجة المُتساهلة للأحداث التّاريخيّة. فغزو النازيّة للنّمسا عام 1938 يَظهر في الفيلم وكأنّه إزعاج عابر لا أكثر، بينما الحقيقة أنه كان كارثيًّا على شعب بأكمله. لكنَّ الجمهور العالمي رأى شيئًا آخر: حكاية إنسانيّة عن الحريّة والكرامة العائليّة، محمولة على موسيقى تُنسي قسوة الواقع. هنا بالذّات تبرز المُفارقة الفذّة، إذ حيث فشل النصّ في تقديم دقّة تاريخيّة، نجحت الألحان في صنع خلودٍ سينمائيٍ جماهيري!
لا أنكُر أنَّ الغوص في الأبعاد السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة للفيلم غيَّر نظرتي لمضامينه، خاصّةً بعد نقاشاتٍ طويلة على مدى السّنين مع أصدقاء نُقّاد أوروبيّين. لقد استشعرتُ انزعاجًا لدى الكثيرين منهم تجاه الفيلم، تحديدًا النّمساويين، حيث إنَّ أحداث الفيلم تدور في بلدهم. كانوا يعتبرون أنَّ الفيلم يُجمّل علاقة النّمسا بالحزب النّازيّ خلال الحرب العالمية الثانية من جهة، ويبالغ في التعميم بتصوير البلاد على أنها قوميّة ومُعادية للنّازيين من جهةٍ أخرى. أمّا الواقع فكان صادمًا وأكثر تعقيدًا من ذلك، إذ إنَّ قسمًا كبيرًا من السكّان دَعمَ فعليًا أيديولوجيات هتلر. ونستنتج أنَّ النّسخة السّينمائية الهوليووديّة لقصّة عائلة فون تراب، هي تعديل رومانسي، غالبًا ما تغرق فيه هوليوود، لذلك أثارت حفيظة الكثيرين وخاصةً الجمهور الأوروبي الذي اعتاد الأفلام الأكثر واقعيةً وجرأةً بفضل قيود الرّقابة الأقل آنذاك.
ما بين الرّومانسية السّاذجة والمجازية التّاريخيّة، حظي الفيلم بقاعدة جماهيريّة هائلة ليُحقّق أعلى نسبة إيرادات عالميًا في زمانه، بعد أن بقي لأربع سنوات ونصف في صالات السّينما العالميّة! ويكفي أن نذكُر أنَّ الفيلم جمع أكثر من 286 مليون دولار في شبّاك التّذاكر العالمي (ما يعادل حوالى 2.5 مليار دولار في أيّامنا)، لنُدرك حجم الظاهرة التي شكّلها. ذلك مُقابل ميزانيّة قدرها 8.2 ملايين دولار، وهذه نسبة لم تتمكَّن من تحقيقها إلّا بضعة أفلام في تاريخ السّينما، مثل أفلام James Cameron (فيلم "Avatar" بجزأيه، وفيلم "Titanic") وأفلام "Avengers" كما فيلم "Star Wars: Episode VII".
ورُغم المُنافسة الشرسة مع الفيلم الرومانسي الملحمي "Doctor Zhivago" للمُخرج David Lean، لم يكن هناك أدنى شكّ في أنّ فيلم "The Sound of Music" سيكتسح "جوائز الأوسكار". فبعد عام تقريبًا من عرضه، حصد الفيلم خمس "جوائز أوسكار"، بما في ذلك "جائزة أفضل فيلم" و "جائزة أفضل مُخرج" لروبرت وايز. ويعتقد كثيرون أنّ الفيلم كان ليحصد جائزة سادسة، وهي "جائزة أفضل مُمثّلة" لجولي أندروز، لو لم تفز بها العام السابق عن الفيلم الكلاسيكي الموسيقي "Mary Poppins".
جولي أندروز غنَّت فتغيَّر العالم
السرّ الأعظم يكمُن في الموسيقى، من "Do-Re-Mi" إلى "Edelweiss" و "My Favorite Things". أغنيات لم تعُد ملكًا للفيلم وحده، بل دخلت القاموس الشّعبي للغناء. الألبوم الموسيقي نفسه حقَّق مبيعاتٍ تاريخيّة، لتُصبح موسيقى Richard Rodgers و Oscar Hammerstein بمثابة جواز سفر أبديّ للفيلم إلى قلوب الناس. ويُعدّ الأداء الغنائي الذي قدّمته جولي أندروز في "The Sound of Music" أحد أعمدة سحر الفيلم، وسببًا رئيسيًا في خلوده، لا فقط من حيث جمال الصّوت، بل من حيث توظيفه دراميًا في خدمة الحكاية والشّخصية. فأوّل ما يلفت الانتباه، هو نقاء صوت أندروز التي تمتلك طبقة صافية ومُباشرة تكاد تخلو من أي افتعال، وهو ما يتماهى تمامًا مع شخصية ماريا، الشابّة البسيطة التي تنبُض بالحياة والعفويّة. لم يكن الأداء مُجرّد استعراض تقني، بل كان امتدادًا لشخصيةٍ تعيش بين البراءة والتمرُّد، وهو ما يجعل غناءها يبدو كمُتنفّس طبيعي أكثر من كونه عرضًا فنّيًا.
كما لا يمكن الحديث عن "The Sound of Music" من دون التوقّف عند جماليّات الصّورة. فتصوير الفيلم في مدينة سالزبورغ النّمساوية منح العمل خلفيّة شاعريّة خالدة. الكاميرا تُحلّق فوق التّلال الخضراء والقصور، والحدائق تتحوّل إلى مسرح طبيعي. لكن عند زيارتي النّمسا، اكتشفت أنّ بعض سُكان المدينة لم يُرحّبوا بهذا التّسويق الرومانسي، مُعتبرين أنّه يختزل تاريخهم. إنما أتت النّتيجة في الواقع معاكسة، إذ منذ الستّينات وحتى اليوم، تستقبل سالزبورغ مئات آلاف السيّاح سنويًا بفضل الفيلم، حتى صار "The Sound of Music Tour" جزءًا من اقتصاد المدينة. ورُغم صعوبة التّصوير حينها، من سوء الأحوال الجويّة إلى تعطّل المروحيّات، خرجت المَشاهد كَلوحاتٍ بصريّة تُذكّرنا بأن السّينما قادرة على تحويل الواقع إلى أسطورة.
فرح أقوى من السّياسة
الفيلم ليس دقيقًا بمعايير التّاريخ أو السّياسة، لكنّه فيلم عظيم بمعايير المشاعر الشّافية. صحيح أنّه يُجمّل الواقع ويختزل المأساة، لكنّه أيضا يقدّم درسًا في قدرة الفنّ على صناعة عزاء جماعيّ. في لبنان، حيث يرزح الناس تحت أعباءٍ سياسية واقتصاديّة لا تنتهي، تبدو مشاهدة هذا الفيلم أشبه بلحظة راحة من الضّجيج، أو هروب صغير نحو عالم تحكمه الألحان لا المُشاحنات اليوميّة. ولعلّ هذا هو جوهر السينما أحيانًا. فليس المطلوب دائمًا رواية الحقيقة، بل ما يمنحك شعورًا بأن الحياة، رغم كلّ شيء، ما زالت قادرة على جعل الفرح أقوى من المأساة!
تجدون هذه التّحفة السينمائيّة الغنائيّة على منصّة "+Disney".

