في مشهد سياسي واجتماعي متوتر يشبه مشاهد الأزمات المتكررة في فرنسا منذ بداية الولاية الثانية للرئيس امانويل ماكرون في أيار 2024 ناتج عن طلب رئيس الحكومة فرنسوا بارو طرح الثقة بحكومته في 8 أيلول، أقفلت التعاملات في بورصة باريس بانخفاض واضح، حيث هوت أسهم البنوك منذ الافتتاح صباح امس، متأثرة بالحالة من عدم اليقين السياسي والمالي، وراوح الوضع السياسي بين محاولات الحفاظ على الاستقرار والتهديدات بسقوط الحكومة، وسط بيئة اجتماعية متوترة قد تجر البلاد إلى مزيد من الاضطرابات تنذر بها اجندة نقابية – عمالية مليئة بمواعيد الحركات الاحتجاجية والاضرابات سيصدق عليها تجمع النقابية العمالية في الأول من أيلول وتمتد حتى 18 منه.
رئيس الحكومة الذي حاول امتصاص نقمة النقابات لم ينجح في ختام اجتماعه بالأمس مع نقابة الفدرالية الفرنسية للعمل في استمالة هذه النقابة التي تعتبر إصلاحية ومتعاونة بشكل عام مع السلطة.
المشهد السياسي بات أكثر تعقيداً مع إعلان أحزاب المعارضة الرئيسية مواقفها حيال تصويت الثقة. وقد جددت أحزاب اليسار على تنوعها رفضها منح الثقة للحكومة في جلسة التصويت في 8 من الشهر الحالي. وقد انضم الحزب الاشتراكي الى حزب فرنسا الابية اليسار المتطرف بزعامة جان-لوك مولونشون والحوب الشيوعي وحزب الخضر وحزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبن الى الذين سيحجبون الثقة مما يعني حسابيا تامين العدد اللازم من الأصوات لإسقاط بايرو في البرلمان. وعلى الجانب الآخر، يبدو أن حزب "الجمهوريون" يميل لدعم الحكومة في التصويت لتفادي فراغ سياسي قد يعمق الأزمة المالية والاقتصادية.
تنازلات طفيفة
خلال لقاءه بالنقابة العمالية أمس ترك بايرو فتح بايرو نافذة على احتمال التوصل الى تسوية معربا عن استعداده للبحث في تعديلات طفيفة على مشروع الموازنة الذي سيعرض على البرلمان بين أواخر أيلول وبداية تشرين الأول. ولكنه لم يوضح ما اذا كانت التعديلات تتعلق بالنقطتين الاساسيتين اللتين تثيران معارضة شديدة في الأوساط السياسية والنقابية والشعبية. الاولى تخص خفض النفقات العامة بقيمة 44 مليار يورو لخطوة أولى لإعادة التوازن الى المالية العامة بعدما تخطى الحجز عتبة 5 بالمئة أي أكثر باثنين بالمئة من الحد الأقصى للعجز المتفق عليه بين دول الاتحاد الأوروبي، في حين تبلغ نسبة تشغيل القطاع العام 55 بالمئة من الموازنة والثانية الغاء يومي عطلة من الاجازات السنوية. وهذا الامر يعارضه 84 بالمئة من الذين شاركوا في استطلاع للراي.
سيناريوهات مفتوحة
نتيجة التصويت في جلسة 8 أيلول غير محسومة نهائيا وقد يحصل بايرو على تجديد الثقة وان نسبة ضئيلة تماما ما حصل في جلسة التصويت على سحب الثقة في الأول من تموز ، مما سيؤمن الاستقرار السياسي النسبي وتمرير خطة التقشف أو تعديلها تدريجياً وتهدئة الأسواق المالية ولكن بقاء الحكومة لن يزيل الاحتقان الاجتماعي واستمرار الإضرابات وإمكانية تكرار الأزمة لاحقاً.
اما في حال فشل بايرو في نيل الثقة فقد يعيد الرئيس إيمانويل ماكرون تكليفه بتشكيل حكومة جديدة وعلى الارجح من التكنوقراط اوانه سيعمد الى حل البرلمان وهذا احتمال ضئيل.
وبينما دعا زعيم حزب فرنسا الابية الى اقالة رئيس الجمهورية امانويل ماكرون، لم يستبعد بعض المحللين ان يلجأ الرئيس ماكرون الى تفعيل المادة 16 من الدستور التي تمنح رئيس الجمهورية الحق في اتخاذ كافة التدابير إذا ما تعرض الأمن القومي للبلاد إلى الخطر.
وضع سياسي هش
مع تعدد الفرضيات المستقبلية تمر فرنسا بمرحلة وضع سياسي هش افرزته نتيجة الانتخابات النيابية المبكرة التي جرت في تموز من العام الماضي، يبقى السؤال مفتوحاً عما إذا كانت القيادة السياسية قادرة على إيجاد مخرج تفاوضي يرضي جميع الأطراف، أو ما إذا كانت البلاد مقبلة على موجة جديدة من الاحتجاجات والأزمات.