قبل أيام من صافرة الانطلاق في 3 أيلول، يدخل المنتخب اللبناني الأولمبي دون 23 عامًا اختبار الجاهزية الأخيرة، واضعًا نصب عينيه هدفًا مزدوجًا، تمهيد الطريق لأكبر عدد من اللاعبين نحو المنتخب الأوّل، وتحقيق التأهّل الأوّل تاريخيًا لفئات لبنان العمرية إلى نهائيات كأس آسيا.
مهمّة ثقيلة، نعم، لكنّها ممكنة وفق صورةٍ رسمتها التحضيرات والوديات الأخيرة، ومجموعة وُصفت بـ "الشرقية السريعة" إيقاعًا ومستوى، ماليزيا في الافتتاح، ثمّ تايلاند، فمنغوليا تواليًا في 3 و 6 و 9 أيلول. على الورق، يتأهّل إلى النهائيات متصدّرو المجموعات الـ11، إضافة إلى أفضل أربعة أصحاب مركز ثانٍ، بينما ضمنت السعودية مقعدها كمضيف. معادلة واضحة، هوامشها ضيّقة، والأداء المتّزن في التفاصيل الصغيرة سيصنع الفارق.
طه: "التأهّل هدف قابل للتحقيق"
المدير الفني جمال طه يرى أنّ المنتخب خطا خطوات واثقة نحو الجاهزية المطلوبة، معتبرًا أنّ المباريات التحضيرية كانت مفتاح الوصول إلى المستوى الفني والبدني الذي يبحث عنه. ويشرح: "الدوري كان طويلًا، اللاعبون حصلوا على راحة قصيرة جدًا، ثم عدنا لنضع هدفين واضحين، إعداد عناصر قادرة على رفد المنتخب الأول، وتحقيق تأهّل تاريخي إلى كأس آسيا". ويؤكّد طه أنّ المنتخب يملك "عناصر جيدة جدًا، تحتاج فقط إلى التوفيق لتترجم مؤهّلاتها". ويضيف بثقة: "اللاعبون يملكون كل المقوّمات، ولدينا توليفة من لاعبي الدوري المحلي إلى جانب المحترفين". ولا يخفي المدرّب صعوبة المهمة، فالمجموعة تضمّ منتخبات عُرفت بسرعة إيقاعها وانضباطها التكتيكي. لكنه يعتبر أنّ هذه التحدّيات قد تكون الحافز الأهم: "منتخبات شرق آسيا تلعب كرة سريعة، بينما نحن نعاني بطئًا نسبيًا، لذلك نعمل على مجاراة الإيقاع ومعالجة مكامن الضعف. الأهمّ أننا لا نستهين بأيّ خصم، وندخل كلّ مباراة بعزيمة عالية. العزيمة هي سلاحنا الأول، أمّا الفنيات والتكتيك فهي سلاحنا الثاني". بالنسبة له، المسألة ليست مجرّد تصفيات، بل فرصة تاريخية لكسر عقدة لازمت الكرة اللبنانية لعقود طويلة، إذ لم يسبق لأي منتخب فئات عمرية أن بلغ النهائيات القارية.
زبيب: "مباراة ماليزيا بوابة الحلم"
من جهته، يقرأ قائد المنتخب محمود زبيب الواقع من زاوية مختلفة لكنها لا تقلّ وضوحًا. يوضح أن عامل التجانس بين اللاعبين شكّل نقطة قوة أساسية، "فمعظم اللاعبين يلعبون في الدرجة الأولى، وهذا الأمر انعكس إيجابًا على المجموعة. التحضيرات الأخيرة عزّزت هذا التفاهم أكثر، خصوصًا مع عمل الجهاز الفني على التفاصيل". وعن المواجهة الافتتاحية أمام ماليزيا، يصفها زبيب بأنها "مباراة مفصلية"، مضيفًا: "الفوز فيها سيمنحنا دفعة معنوية كبيرة لباقي المباريات. هي أشبه ببوّابة عبور يجب ألّا نُفرّط بها". ويعي زبيب حجم الضغوط التي ترافق المنتخب في مثل هذه التصفيات، لكنه يتعامل معها كجزء طبيعي من اللعبة: "معظم اللاعبين اعتادوا اللعب تحت الضغط. دوري كقائد أن أحافظ على هدوء المجموعة، وأمنح زملائي الثقة والتشجيع. نحن نلعب ككتلة واحدة، وهذا هو سرّ قوتنا".
صورة فنية من المعسكرين والوديات
أنهى الأولمبي معسكره التحضيري الأول بمباراتين أمام سوريا، خسارة 0 – 4 ثم فوز 2–1، قبل أن يعاود الإقلاع بمعسكر ثانٍ ختمه بانتصار 3– 0 على فلسطين بعد خسارة أولى 0– 3. منحنى الأداء بدا متدرّجًا صعودًا، أخطاءٌ عولجت، وإيقاعٌ تسارع، وتجريبٌ ناجح لأدوار اللاعبين بين تشكيلتين، فيما يلفت النظر إلى أن معظم اللاعبين ينشطون في أندية الدرجة الأولى، ما يُفسّر مستوى الانسجام الذي ظهر تباعًا.
ما بين الواقعية والطموح
تُجمع المؤشرات على أنّ المنتخب بات أكثر تماسكًا بعد مسارين متعاكسين أمام سوريا وفلسطين (خسارة ثم فوز)، وهي علامة نضج في التعامل مع ردّ الفعل والتعلّم من الأخطاء. يبقى التحدّي الأكبر هو مطابقة إيقاع شرق آسيا سرعةً وحدّةً، وهنا يظهر رهان جمال طه على العزيمة أوّلًا والتكتيك ثانيًا، وعلى كتفَي قائدٍ يدرك أن ماليزيا قد تكون بوّابة الحلم. لا وعود مُبالغ بها، لكن الطريق واضح، تركيز في الافتتاح، شجاعة أمام تايلاند، وحسم بلا تردّد ضد منغوليا. ما بين هدفٍ آنيّ بالتأهّل، واستراتيجيةٍ أبعد لرفد المنتخب الأول بأسماء شابة، يبدو أنّ الأولمبي يسير بخطى ثابتة نحو كتابة صفحة جديدة، صفحةٍ تُنهي عبارة "لم نتأهل من قبل" وتفتح أخرى تُقرأ "ها نحن هنا".