لم تعد اللقاءات بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين تُعقد في الخفاء، أو من دون أن يتم المجاهرة بها في العلن كما كان يحصل غداة سقوط نظام الأسد الفار في سوريا، بل أضحت وسائل الإعلام العبرية كما السورية تضجّ بها. وآخر هذه اللقاءات احتضنته باريس وجمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، الذي يُعدّ أحد أبرز المقرّبين من رئيس الحكومة اليمينية بنيامين نتنياهو ويجلس عن يمينه لمتابعة ملفات المنطقة الحساسة، ويمثله في اللقاءات الدولية، وهو كان أوّل مسؤول أجنبي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فور انتخاب الأخير وتربّعه على كرسي المكتب البيضوي.
اللقاء هو الثاني من نوعه بين الشيباني وديرمر، وكان طبعًا بمعيّة الحاضر الأبرز العرّاب الأميركي المبعوث توم برّاك، وقد أطلق الاجتماع العنان لتقارير إسرائيلية تحدّثت عن اقتراب موعد توقيع اتفاق أمني وتطبيع بين عدوّي الأمس برعاية ومباركة إدارة "العمّ سام"، وحدّدت التقارير العبرية الموعد في 25 أيلول المقبل. بيد أن وزارة الخارجية السورية نفت في بيان رسمي دقّة تلك التقارير، مكتفيةً بتأكيد حصول اللقاء بين رأس الدبلوماسية السورية ووفد إسرائيلي، وهذا التأكيد ما كان ليحصل لو عدنا أشهرًا قليلة إلى الوراء عندما كانت مثل تلك اللقاءات تُحاط بسرّية تامة، ما يَشِي بأن طريق التطبيع أو على الأقلّ الاتفاق المبدئي بين دمشق وتل أبيب باتت معبّدًا بينهما، وإن لم يكن بطبيعة الحال مفروشًا بالورود.
ويتوقع مراقبون غربيون أن تعمد "الإدارة الترامبية" إلى "ترتيب" خطاب للرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل، وربّما "تدبير" مصافحة غير رسمية في ردهات نيويورك بين "الجولاني السابق" بحسب وصف بعض الإسرائيليين، وبين نتنياهو، الذي يتوق إلى تحقيق "إنجاز سياسي تطبيعي" مع دولة كانت "جارة لدودة" في الأمس القريب، مستغلًا "لحظة الانتصارات العسكرية" المتتالية في المنطقة، من أجل جني ثمارها السياسية. كذلك، ترى الدولة العبرية أن عليها اقتناص فرصة سقوط الأسد لعرقلة ما تبقى من نفوذ إيراني، وتعزيز سيطرتها على الحدود السورية، لإبعاد شبح المقاتلين السُنّة الذين يؤرقونها، خصوصًا بعد عملية "طوفان الأقصى"، ومنع تهريب أي سلاح من إيران إلى "حزب الله" في لبنان عبر سوريا، وكلّ هذه الترتيبات تعتقد حكومة "بيبي" أنه يمكنها تتويجها باتفاق تطبيع، أو على الأقل في بادئ الأمر باتفاق عدم اعتداء.
أمّا بالنسبة إلى الإسرائيليين المتشائمين، فيعتبرون أن توقيع اتفاق أمني مع "سوريا الجديدة"، سيتضمّن العودة إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 مع النظام البعثي الأسدي، ما سيقيّد حركة وحرّية عمل الجيش الإسرائيلي الذي يسرح ويمرح في الجنوب السوري منذ سقوط النظام السابق، ويحدّ من قدرة الدولة العبرية على حماية الجولان وما فيه من مستوطنات، كما حماية الدروز في السويداء الذين يمرّون في أحلك الأوقات، بعد الحوادث الأخيرة التي عصفت بالمحافظة المحاصرة. ويرى المتوجّسون في تل أبيب من الاتفاق مع دمشق، أنه طالما أن نظامًا بجذور جهادية يُحكِم قبضته على سوريا، فمِن الأفضل في هذه الحال ألا توقع إسرائيل أي اتفاق، وأن تُبقي على "الستاتيكو القائم" الذي لا يفرض أي قيود دولية على عملياتها العسكرية في الجنوب السوري.
في المقلب السوري، يرى المراقبون أن حكومة الشرع تنكر في الظاهر حتى الآن وجود مسار معبّد نحو اتفاق شامل مع إسرائيل، وأن ما يُطبَخ لا يعدو كونه محاولة للعودة إلى "ستاتيكو" اتفاق عام 1974، خصوصًا في جنوب سوريا وهضبة الجولان. ولا ريب أيضًا في أن الشرع يبقى ابن "بيئته الإسلامية" التي أوصلته أصلًا إلى كرسي قصر الشعب، وبالتالي لا يمكنه الخروج منها والمضي بعيدًا في اتفاق شامل مع الدولة، قاتلة الأطفال في قطاع غزة، خصوصًا أن سوريا أيضًا على شفا انتخابات برلمانية، يرنو الشرع إلى الظفر بأكبر عدد من مقاعدها، لتعزيز قبضته على الحكم وإطالة أمده.
في المقابل، إبرام أي اتفاق مع الدولة العبرية، يعود بمكاسب سياسية و"انفتاحية" واقتصادية واستثمارية غربية على الدولة السورية الوليدة، التي بدأت تُرفَد بالمشاريع والدعم العربي وتحديدًا الخليجي، الذي يحاكي مليارات الدولارات ضُخّت في شرايين الاقتصاد السوري.
ويترقب المتابعون الثمار التي ستُجنى من اللقاءات السورية - الإسرائيلية المتكرّرة، وما إذا كانت ستقود إلى اتفاق أمني بالحدّ الأدنى بين سوريا وإسرائيل، يعيد حتمًا خلط أوراق الصراع برمّتها في المنطقة، ويُكَلّل في المستقبل باتفاق تطبيع شامل، يُدخِل دمشق نادي الدول العربية المطبِّعة الموقِّعة على "الاتفاقات الإبراهيمية".