بعد أن وصلت فجأة دورية سورية إلى ديربلا وطوّقت بيت "الكتائب"، فحاصرها الأهالي وشباب الكتائب وكاد يحصل حمام دم. السؤال الذي يُطرح: لماذا تم تطويق بيت الكتائب؟
كان يبيت فيه 7 مقاتلين تابعين لثكنة دير القطارة كانت مهمتهم حراسة طريق بزيزا – أميون ليلًا والاستراحة نهارًا، فيما يتسلّم الطريق شباب قرى جرد البترون، فيبدو أن الدورية السورية كانت تمتلك معلومات عن تواجد شباب الكتائب داخل البيت.
بدأت المفاوضات بعد وصول مختار ديربلا وعدد من الوجهاء، وكان الاتفاق أن يغادر شباب الكتائب سيرًا على الأقدام، إلى حيث يريدون بعد تسليم أسلحتهم وبعد نصف ساعة تعاود الدورية سيرها، وهكذا كان.
أكملت الدورية طريقها ووصلت إلى الوادي الفاصل بين شبطين ودريا، حيث تعرضت لكمين أوقع معظم ضباطها وعناصرها بين قتيل وجريح وبدأ الرد العسكري السوري فورًا.
عصرًا، انطلقت قافلة سورية ضخمة من قرى القويطع في الكورة ووجهتها وسط بلاد البترون، مؤلّفة من 25 – 30 جيب وشاحنة، ودخلت بقسميا وكفرحي من دون مقاومة وتمركزت في مواقع عدّة، فيما واكبت تقدمها 3 طوافات سورية كانت انطلقت من مطار حامات.
صباح السبت 26 آب، عاودت القافلة السورية تقدمها، فهبطت على عين عيا حيث أقام الجيش السوري مركز قيادة ميدانيًا في معمل الحجر، وعندما بدأ الصعود إلى كور، اندلعت المعركة التي لم تستطع القوات السورية حسمها إلا بعد تدخل الطوافات العسكرية لتكمل انتشارها في القرى البترونية.
الطوافات العسكرية السورية تدخل الحرب اللبنانية للمرّة الأولى
هناك مغالطة تاريخية يقع فيها بحاثة الحرب اللبنانية حين يذكرون أن الجيش السوري استعمل الطوافات العسكرية للمرة الأولى في لبنان ربيع 1981، حين سيطر على الغرفة الفرنسية في صنين.
أما في الواقع، فشهد العام 1981 الاستعمال الثاني للطوافات السورية في لبنان، بينما المرّة الأولى كانت اعتبارًا من بعد ظهر الجمعة 25 آب 1978، حين انطلقت 3 طوافات عسكرية سورية من مطار حامات على مستوى منخفض، وجالت فوق قرى وبلدات بلاد البترون في تهديد عسكري واضح لمقاتلي أحزاب "الجبهة اللبنانية" لمغادرة القرى البترونية.
ظهر السبت 26 آب، كان الاستعمال الفعلي للطوافات السورية، حين بدأت بانزال المظليين السوريين لتطويق بلدة كور لحسم المعركة التي اندلعت بين الوحدات الخاصة السورية والأهالي الذين تصدّوا لهم.
تدخّل الطوافات السورية يومها حسم المعركة بعد 6 ساعات من القتال الشرس في كور، ما اضطر المدافعين للانسحاب وسيطرة القوات السورية على وسط بلاد البترون.
بالعودة إلى الرائد جان قاصوف، يقول: "مؤكد أن القوات السورية لم تكن بوارد فتح أي معركة في قرى البترون، فلم توقف الدورية السورية المقاتلين السبعة في دير بلا وكانوا بكامل أسلحتهم، بل سمحت لهم بالمغادرة بعد اتصال أجرته بقيادتها، كما أن قيادة حزب "الكتائب" أيضاً لم تكن تريد افتعال أي معركة في منطقة البترون، وهي المنهمكة في معارك بيروت الشرقية، وللتأكيد على ذلك كان تم قبل أسابيع سحب جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من جميع القرى البترونية، وجمعها في ثكنة القطارة. حتى بلدة كور التي حصلت فيها المواجهة لم يكن يوجد فيها نهار المعركة أي سلاح ثقيل أو متوسط، بل أسلحة فردية خفيفة وبعض قاذفات "الأر بي جي"، فهل من يخطط مسبقًا لمعركة عسكرية لا يحضر إلى أرض المعركة أسلحة هو بحاجة إليها"؟
في السياق، يطرح الرائد قاصوف أسئلة عدّة:
1- لماذا تأخرت القوات السورية بإرسال دوريتها المنتظرة من صباح الأربعاء 23 آب كما كان الاتفاق، إلى صباح الجمعة 25 آب في صباح اليوم التالي لمجزرة وادي نهر الجوز؟
2- لماذا تقدمت المجموعة المسلحة إلى مفرق وادي نهر الجوز صباح الخميس 24 آب، وهل كان هدفها إطلاق الشرارة المطلوبة لبدء الانتشار العسكري السوري في قرى وسط وجرد البترون؟
3- كيف استطاعت المجموعة المسلحة الوصول إلى مفرق وادي نهر الجوز ليل الأربعاء 23 آب من دون أن يتم إيقافها، خاصة وأنها عبرت عدة حواجز سورية في الكورة، وبالتالي هل كان عبور هذه المجموعة المسلحة كعبور المجموعات المسلحة إلى إهدن ليل 12 حزيران؟
يقول قاصوف: "كان نهار الجمعة 25 آب 1978 مفصليًّا في تاريخ منطقة البترون، وقبل أن يتم تحليل ما حصل في ذلك النهار فلنتابع تفصيليًّا ما قاله مخايل طربيه، وهو الذي رافق الدورية السورية من دير بلا إلى موقع الكمين".
من هو مخايل طربيه وما قصته؟
مخايل طربيه من بلدة ممنع في عكار، تهجّر مطلع الحرب اللبنانية مع عائلته وعدد من أقاربه من بلدتهم وأقاموا في شكا وعمل في شركة الاترنيت، وعلى أثر معركة 5 تموز 1976 صعد مع عائلته وأقام في دير بلا في منزل يخص أهل زوجة شقيق زوجته وهي من دير بلا.
عندما وصلت الدورية السورية إلى دير بلا الخميس 24 آب وطوقت بيت "الكتائب" خاف الأهالي من حمام دم، فتقدم بعضهم للتكلّم مع الضابط السوري وكان مخايل طربيه واقفًا بعيدًا بعض الشيء وما إن شاهده الضابط حتى ناداه فتفاجأ الجميع.
تقدم مخايل طربيه وسلّم عليه: من أين كان الضابط السوري يعرف مخايل طربيه؟
أخبر مخايل طربيه لاحقًا أنه على أثر الحادث الذي وقع في 31 أيار 1978 في شركة الاترنيت في شكا بين مناصري حزب "الكتائب" ومناصري النائب طوني فرنجية، وأدى إلى سقوط 4 قتلى من الطرفين، وصلت دوريات للقوات السورية وطوّقت الشركة ودخلت إليها، وكان يومها في مطعم الشركة حيث وقع الإشكال، فاستدعته القوات السورية لأخذ إفادته. ولاحقًا قصد مقر القيادة السورية في طرابلس أكثر من 5 مرات للاستماع إلى معلوماته حول الحادث، وكان كل مرة يحقق معه المقدم السوري الذي كان يقود الدورية السورية في دير بلا فأصبح على معرفة به.
يتابع روايته، أن الضابط السوري عندما قرر الانطلاق باتجاه قرى منطقة البترون ألح عليه أن يرافقه في الجيب ليدله على الطريق، فشرح له أنه غريب عن المنطقة ولا يعرف طرقاتها، لكن الضابط السوري أصرّ على مطلبه ووعد بإعادته إلى دير بلا، فخاف أن يعارض رغبته فصعد معه في الجيب الذي انطلق بهما.
ماذا قال مخايل طربيه في إفادته في ثكنة المدينة الكشفية؟
روى أنه بعد صعوده إلى الجيب السوري جلس على المقعد الخلفي إلى جانب عامل اللاسلكي، فيما جلس الضابط الثاني في قمرة الشاحنة الأولى.
كان مع الضابط السوري خريطة واضحة بطرقات البترون وكان يعرف من خلالها البلدات التي نمر بها، وكانت الخريطة واضحة جدًا وعليها ملاحظات كثيرة، ودائمًا كان يناقش تفاصيلها مع الجندي الجالس قرب جهاز اللاسلكي الذي يتحدث عبره. وعند وصول الدورية إلى مفرق أسيا أشار إلى السائق بوجوب الاستدارة والصعود إلى البلدة وعدم إكمال الطريق نزولًا إلى البترون، وحتى في أسيا كان يعرف تمامًا الطريق الذي سيكمل عليه وصولًا إلى مراح الحاج – العلالي - شبطين.
أكمل: "خلال رحلة الدورية سمعت الضابط يردد أسماء قرى: شبطين، سمار جبيل، جسر المدفون، ولم أكن سمعت سابقًا سوى باسم جسر المدفون فعلمت أن وجهتهم الطريق الساحلي، كما لاحظت أن الضابط السوري يكلّم الجندي ويدلّه على الخريطة إلى موقع بلدة كور. وخلال رحلة الدورية كان الضابط مرتاحًا جدًا وراح يحدثني عن الطبيعة وأشجار الزيتون إلى جوانب الطريق وعن الزراعة، وقد تبين لي أنه مسيحي وراح يخبرني عن الكنائس التي نمرّ بقربها، وكانت أسماؤها موجودة على الخريطة.
ومما رواه أنه في إحدى القرى، طلب الضابط أن يتوقفوا لشراء دخان، وعند أول دكان توقفت الدورية ونزل سائق الجيب والضابط الجالس في الشاحنة الأولى واشتروا عدة علب دخان وزعوها على الجنود: تبين أن الدورية توقفت أمام محل فرنسيس أنطون باسيل في بلدة أسيا، الذي أكد الرواية في إفادته، وأن الدورية اشترت دخان نوع "لوكّي سترايك" وأنه كان خائفًا ورفض أخذ ثمن الدخان، لكن الضابط أصر على دفع الثمن.
من أسيا أكملت الدورية السورية طريقها سالكة طريقًا ضيّقًا ومتعرّجًا، لا يتعدى عرضه 3 أمتار حتى وصلت إلى الوادي الفاصل بين شبطين ودريا".