بول عنداري

هذه شهادة بول عنداري عن معركة شكا عام 1976 (الجزء الثالث)

دقيقتان للقراءة
تجلّت في معركة شكا روح الشجاعة والوحدة في أبهى صورها

في صباح العاشر من تموز توجهت إلى قريتي طلبًا للراحة، ولتفقّد الأهل. وفجأة وصلت إليها السيدة صونيا فرنجية (ابنة الرئيس فرنجية) وهي لا تزال في ثياب النوم، تطلب قرع الأجراس لنجدة قرية "فيع" التي تعرضت لهجوم مفاجئ. وتوالت البرقيات مجددًا إلى غرفة العمليات المركزية في بيروت تطلب المساعدة.

وما جرى أن عناصر "قوى الأحزاب اللبنانية" دخلوا قرية فيع وتمركزوا فيها من دون مقاومة تُذكر. ليلًا فُتحت عليهم النار من كل الجهات ومن مسافات قريبة داخل البيوت، فتصدوا ببسالة للمسلحين وتمكنوا من الانسحاب من دون خسائر.

وعادوا فدخلوها عسكريًّا في اليوم التالي فسقط لهم شهيد واحد فقط.

وتابعنا من فيع في اتجاه "دده" التي سقطت هي الأخرى في أيدينا… وكانت جثث الأغراب مرمية عند مداخلها، وللمرة الأولى أشاهد عن قرب المرتزقة الصوماليين والباكستانيين… إنهم غريبو الملامح والبشرة، يضعون الحلقات في آذانهم الطويلة وأنوفهم.

ومن دده إلى "البلمند" حيث آليات من "قوات فتح الجليل" الفلسطينية مدمرة ومحروقة كليًّا وحولها جثث متناثرة. وهناك التقيت للمرة الأولى الأب سمعان الدويهي.

أصبحنا على مشارف طرابلس حيث رُفعت على بعض سطوحها الشراشف البيضاء وتساءل البعض يومئذٍ: لماذا لا نكمل ونحرّر طرابلس نفسها؟ من دون أن يدري أن للحرب حدودًا يضعها غير الفرقاء الذين يقومون بها، أو ما يسمى "بالكبار"، ناهيك عن أن غالبية سكانها من المسلمين وليس هدفنا الهجوم على هذه المدينة بل فك الطوق عن شكا وإنقاذها من مذبحة كاملة.

بعد المعركة جرى مأتم مهيب للشهيد شبل عيسى الخوري في مسقط رأسه في بشري في الثالث عشر من تموز، وألقيت قصائد في رثائه، أبرزها للشاعر مالك طوق بعنوان "يا شبل الشباب"، وبعض ما جاء فيها:

"لما توصل ع السما رح يسألوا:

من وين جايي هالبطل…. وين كان؟

لا تقول إنت مين…. هني بيعرفوا

عينيك لون الأرز لازم يعرفوا…

وجك بطل… قلبك بطل

ملو الجبل

دمك بطل

بتراب لبنان انجبل…

… رح قلهن لا تفزعوا

ع أرضنا كل ما وقع منا شهيد

ميتين أرزة من التراب بيطلعوا

وبيوقفوا بوجه الدني…

لا تفزعوا".

إن معركة شكا والكورة كانت بالفعل من أهم المعارك التي اضطرّت إلى خوضها المقاومة المسيحية في بداية الحرب. وقد تجلت فيها روح الشجاعة والوحدة بأبهى صورها ومعانيها بين جميع شرائح المجتمع المسيحي.


من كتابي: "هذه شهادتي"