لم يمرّ التمديد الأخير لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) بهدوء، بل جاء وسط سجال سياسي ودبلوماسي. فإسرائيل والولايات المتحدة حاولتا الدفع باتجاه تعديل جوهري في مهمة هذه القوات لتكون أكثر قدرة على مراقبة نشاط حزب الله، ولوّحتا بعدم التمديد إن لم تُعتمد هذه الصيغة. لكنّ دولاً أوروبية مؤثرة، مثل فرنسا وإيطاليا، رفضت المغامرة، مفضّلةً الحفاظ على الاستقرار الهش بدلاً من فتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع الحزب وسكان الجنوب.
أولاً – لماذا قبل الغرب بالتمديد؟ الجواب هو أن التمديد بدا "الخيار الأقل كلفة". صحيح أنّ اليونيفيل لا تستطيع أن تمنع حزب الله من التسلّح أو من التحرك، لكنّ وجودها يوفّر صمّام أمان يحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة. الأوروبيون، بخلاف واشنطن وتل أبيب، يعتقدون أنّ تعديل مهمتها بالقوة سيؤدي إلى احتكاك مباشر مع الحزب ويعرّض جنودهم للخطر. وهكذا غلبت واقعية التهدئة على خيار التصعيد. لكن هذا الموقف يعكس أيضاً قدراً من الرضوخ. فبدلاً من تطبيق القرار 1701 بحزم، يستمر المجتمع الدولي في تمديد شكلي لقوات عاجزة، ما يكرّس ازدواجية السلاح في لبنان ويُظهر الدولة وكأنها بلا حول ولا قوة. العتب هنا مشروع: الغرب يفضّل "الإدارة المؤقتة" على مواجهة أصل المشكلة.
ثانياً – لماذا يصرّ حزب الله على السلاح؟ من جهته، يواصل حزب الله تمسّكه بسلاحه باعتباره جوهر هويته السياسية والعسكرية. هو يرى أن أي نقاش حول نزعه يعني نهايته كقوة فاعلة داخلياً وإقليمياً. الحزب يبرّر ذلك من خلال ما يسمّيه "سردية الردع": أي أنّ سلاح المقاومة هو الذي يمنع إسرائيل من الاعتداء، مستشهداً بانسحاب 2000 وبحرب تموز 2006. إلا أنّ هذه السردية تآكلت في السنوات الأخيرة. فإسرائيل لم تعد تتردّد في تنفيذ اغتيالات متكررة داخل لبنان وسوريا، تستهدف قادة ميدانيين وخبراء عسكريين، وأحياناً أكثر من شخص في يوم واحد.
ورغم ذلك، يكتفي الحزب بالصمت أو بردود محدودة لا تغيّر في المعادلة. ما يعني أن "الردع" الذي يرفع شعارَه لم يعد فعّالاً كما كان يُقدَّم لجمهوره. بل إن غياب الرد الحقيقي يعكس ميزان قوى مختلاً، ويفضح أن السلاح الذي يقال إنه يحمي لبنان عاجز عن حماية كوادر الحزب أنفسهم. بين تمسّك حزب الله بسلاح فقد جزءاً كبيراً من مبرراته، وتمديد غربي لقوات دولية عاجزة عن فرض أي سيادة فعلية، يبقى لبنان في حلقة مفرغة. إسرائيل تواصل خرق الأجواء والاغتيالات متى شاءت، والغرب يكتفي بإدارة الأزمة لا بحلّها، فيما الحزب يواصل رفع شعارات "الردع" التي لم تعد تقنع حتى بيئته.
النتيجة واحدة: دولة غائبة، سلاح خارج الشرعية، ومجتمع دولي يرضخ للواقع بدلاً من تغييره. أما الشعب اللبناني، فهو الحلقة الأضعف دائماً، يدفع ثمن رضوخ الخارج وعجز الداخل معاً.