جاد حداد

Maniac... خليط من الجرأة والغرابة والعبقرية

5 دقائق للقراءة

مسلسل Maniac (المهووس) على شبكة نتفليكس هو عمل مبهر ولامع بمعنى الكلمة كونه لا يكف عن تقديم المفاجآت على مر الحلقات. ربما لم يلتفت الكثيرون إلى هذا العمل الجريء والقوي لأنه غريب بما يكفي كي ينفر منه المعتادون على الأعمال التقليدية. مع ذلك، لا مفر من أن يتعلق به عدد كبير من المعجبين الأوفياء. يتلاعب المسلسل بجوانبه الدرامية للتعمق في الحالة البشرية بطرقٍ لم يفعلها أي عمل آخر.

يطرح المسلسل في الحلقة الأولى فرضية مفادها أن جميع الأرواح تسعى إلى التواصل مع محيطها، لكنه يستنتج لاحقاً أن العقل البشري لا يدرك عملية البحث هذه. يُفترض أن تُحضّرنا هذه الأفكار للمواضيع التي سيصل إليها هذا العمل الغريب بامتياز.

في التفصيل، يتطوع "أوين ميلغرام" (جوناه هيل) و"آني لاندزبيرغ" (إيما ستون) للمشاركة في تجربة علمية تهدف إلى معالجة جميع اضطرابات العقل. هما يعانيان طبعاً من مشاكل خاصة بهما: غرقت "آني" في دوامة من الحزن منذ أن ابتعدت عن شقيقتها (جوليا غارنر المعروفة بدورها في مسلسل Ozark). ويكون "أوين" الابن الأصغر في عائلة "وحوش" من الطبقة العليا، بما في ذلك شقيقه (بيلي ماغنوسن) ووالده (غابريال بايرن). باختصار، تتخلى عنه عائلته إلا حين تحتاج إليه. تشمل الحلقة الأولى مؤثرات بصرية مدهشة، فتظهر لوحة فيها جميع أفراد العائلة باستثناء "أوين" الذي يظهر لاحقاً في صورة أصغر حجماً وكأنه الشقيق المفقود في العائلة. يبحث "أوين" عن شيء يربطه بالحياة ومحيطه. في المقابل، تعمل "آني" كـ"صديقة للإيجار"، ما يعني أن الناس يدفعون لها المال كي تصبح صديقتهم في أي يوم، لكنّ هذا الوضع يزيد إدمانها على الأدوية. هي تقرر المشاركة في التجربة العلمية أصلاً لتلقي أدوية إضافية ولا تصدق كلام "أوين" حين يخبرها عن وجود رابط معيّن بينهما قبل أن يتقربا من بعضهما. سرعان ما تبدأ بتغيير رأيها.





بعد سلسلة من الحلقات التمهيدية، يتجاوز المسلسل الخطوط السردية التقليدية ليغوص في الأحلام المشتركة بين "أوين" و"آني": إنه جزء من العلاج الذي يشرف عليه الدكتور "مانترلي" (يقدم جاستن ثيروكس في هذا الدور شخصية لا تُنسى). يسمح هذا الجانب من القصة للمخرج كاري جوجي فوكوناغا وفريق الكتابة بإطلاق العنان لمخيلتهم بهدف التعمق في الهوية البشرية. تسمح كل حلقة قصيرة (جميعها أقل من 45 دقيقة) لفريق العمل باستكشاف المسائل الكامنة وراء مشاكل "آني" و"أوين" النفسية عبر استعمال مجموعة مختلفة من الشخصيات والمواقع والأساليب.

في إحدى الحلقات، يتقمص "أوين" و"آني" دور ثنائي في "لونغ آيلند" خلال فترة الثمانينات، فيحاولان سرقة قرد من فصيلة الليمور ويُستعمَل في هذه القصة أسلوب سردي يُذكّرنا بأعمال الأخوين جويل وإيثان كوين. وفي الحلقة التالية، يحضران جلسة استحضار أرواح خلال الأربعينات، فيكرران الحوارات المرحة وملامح الشخصيات التي كانت شائعة في أفلام الغموض الكلاسيكية. لكن تعكس هذه الأفلام القصيرة داخل المسلسل نفسه مواضيع مرتبطة بحياة "أوين" و"آني" الحقيقية، منها المشاكل العائلية، وعدم تقدير الذات، وفقدان الثقة بالآخرين، وشعور متزايد بأن لقاءهما مُقدّر لسبب معيّن. كذلك، تظهر الممثلة والمخرجة سالي فيلد في إطلالة خاصة لكننا لن نكشف عن تفاصيل دورها.

على صعيد آخر، يتميز تصميم الإنتاج على جميع المستويات. يبدو العالم الذي يصوّره مسلسل Maniac آسراً، وكأنه يجسّد رؤية مستقبلية وتقليدية في آن على طريقة المخرج الفرنسي ميشال جوندري. ويشبه المركز الذي يستقر فيه المتطوعون سطح سفينة "نوسترومو" (من فيلم Alien (الكائن الفضائي)، وتنذر تقنيات الكمبيوتر المستعملة بالمستقبل الذي توقّعه المخرجون خلال الثمانينات، على غرار المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ والمخرج البريطاني تيري غيليام. في هذا العالم، يستطيع الفرد أن يلعب الشطرنج مع روبوت بنفسجي صارم على شكل كوالا في إحدى الحدائق أو يستعمل ابتكاراً لن ندخل في تفاصيله واسمه "ساكتوب". لكن رغم هذه التطورات كلها، يبقى الوضع البشري على حاله، إذ يتوق البشر دوماً إلى التواصل مع محيطهم ويحتاجون إلى استقرار عاطفي ويشعرون بأنهم على هامش الحياة. لن تتغير هذه الأحاسيس بفضل الأدوية الجديدة أو التقنيات المتطورة، ويدرك المسلسل أصلاً الاختلاف بين الاكتئاب والمرض النفسي بطريقة لم نعهدها منذ مسلسل Legion (الفيلق) الذي يحاول أيضاً التلاعب بالعقل البشري لاكتشاف حقائق خفية عنه.

من الواضح أن جوناه هيل وإيما ستون استغلا هذه الفرصة لتقديم أداء مختلف في هذا المسلسل المتقن، ويقدم الممثل جاستن ثيروكس دوراً جريئاً وغريباً على نحو مدهش. لكن يعود مستوى العمل أولاً وأخيراً إلى براعة الكُتّاب. يُذكّرنا السيناريو بأعمال ديفيد لينش وتشارلي كوفمان وخوسيه ساراماغو وفرانز كافكا، لكنه يتخذ منحىً مضحكاً أحياناً بطريقة غير مسبوقة. يبرع Maniac في طرح أفكار غريبة من دون أن تصبح مزعجة، لكن لكل مُشاهد طريقته الخاصة في تقييم الأعمال طبعاً. في النهاية، قد يبدو هذا المسلسل أغرب من اللزوم برأي البعض ولا يمكن لوم هذه الفئة من الجمهور. لكن يسهل أن يتحول أيضاً إلى العمل المفضّل الجديد لدى مجموعة أخرى من المشاهدين غير التقليديين.