أنطوني سعد

الشرع بين نتنياهو واردوغان

3 دقائق للقراءة

بعد تراجع النفوذ الإيراني إثر سقوط الأسد والضربات التي طالت أذرع طهران في المنطقة، ومع تقلّص الدور الروسي وانكفاء الأوروبيين وعجز العرب عن المبادرة، بقيت قوتان كبيرتان تتصدران المشهد: تركيا وإسرائيل. قوتان لهما علاقة متشابكة تعود إلى عقود، لكنهما اليوم على طرفي نقيض في معركة النفوذ. إسرائيل تتحرك برؤية “إسرائيل الكبرى” التي تتجاوز حدودها الحالية وتسعى لفرض هيمنتها الإقليمية، بينما ترى تركيا نفسها وريثة الإمبراطورية العثمانية وتعمل على إعادة إنتاج نفوذها في المشرق. لكل منهما حلم تاريخي باستعادة أمجاده، وصراع الحاضر في سوريا يبدو كأنه بوابة لتحقيق هذه الطموحات المتعارضة.


عملية الإنزال الإسرائيلية في منطقة الكسوة بريف دمشق لم تكن مجرد تحرّك ميداني محدود، بل محطة سياسية أمنية تحمل دلالات بعيدة المدى. العثور على أجهزة مراقبة وتنصّت متطورة قرب جبل المانع، وما تبعه من غارات جوية وإنزال مروحي لإتلافها أو سحبها، كشف أن تل أبيب تنفذ استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة الواقع الأمني في الجنوب السوري.


إسرائيل تسعى اليوم إلى فرض منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق، تمتد من درعا والقنيطرة حتى مشارف العاصمة. الهدف المعلن هو حماية حدودها الشمالية من أي تهديد، لكن الهدف الحقيقي هو إنشاء شريط عازل دائم يمنع أي تموضع عسكري سوري أو أي نشاط مقاوم، ويُبقي الجنوب تحت مراقبة إسرائيلية مباشرة. بهذا المعنى، ما جرى في الكسوة ليس حادثة منفصلة بل خطوة تنفيذية ضمن خطة أكبر لإعادة رسم الخريطة الأمنية لسوريا.


في المقابل، التقطت أنقرة سريعاً أبعاد التحرك الإسرائيلي. الحكومة التركية، الحليف الأقرب للنظام السوري الجديد، رأت في المشروع الإسرائيلي تهديداً مباشراً للسيادة السورية ومحاولة لفرض تقسيم فعلي للأرض. الرد التركي جاء على مستويين: سياسي عبر إعلان دعم صريح لدمشق في مواجهة أي محاولة لاقتطاع الجنوب، واقتصادي عبر قطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، إغلاق الأجواء أمام الطائرات الحكومية الإسرائيلية، ومنع مرور أي شحنات سلاح مرتبطة بتل أبيب. هذا القرار شكّل تصعيداً نوعياً، إذ ينقل المواجهة من مربع التصريحات الدبلوماسية إلى خطوات عملية تضغط على إسرائيل إقليمياً ودولياً.


العنصر الجديد في هذه المعادلة هو شخصية أحمد الشرع، الرئيس الحالي للنظام السوري، الذي برز بدعم مباشر من أنقرة بعد سقوط الأسد. الشرع، الذي تلقى تعليمه وإعداده السياسي والأمني على يد الاستخبارات التركية، يمثل اليوم الورقة الأبرز لتركيا في دمشق. لذلك، فإن أي استهداف إسرائيلي للجنوب السوري ينعكس تلقائياً على مشروع أنقرة في سوريا، ما يفسر حدّة الموقف التركي وتحوّله من مجرد شريك داعم إلى طرف صدامي مباشر مع تل أبيب.


إن ما بدأ في جبل المانع يتجاوز حدود دمشق. الرسائل الإسرائيلية من جهة، والتصعيد التركي من جهة أخرى، يرسمان ملامح مواجهة طويلة الأمد: مواجهة قد لا تُحسم بالمدافع فقط، بل أيضاً بالاقتصاد والدبلوماسية ورسم خطوط النفوذ الجديدة. في قلب هذا الصراع، تحاول إسرائيل أن تستعيد حلمها التوراتي بـ“إسرائيل الكبرى”، فيما تسعى تركيا إلى إعادة بعث إرثها العثماني في المشرق. وهكذا تتحوّل سوريا إلى الساحة الأولى لصراع مشاريع كبرى يتجاوز حدودها الجغرافية ليطال مستقبل المنطقة بأسرها.