شربل صيّاح

حيث لا يجرؤ الآخرون

3 دقائق للقراءة

لم يكن الفكر عندي ترفًا عابرًا ولا هوايةً ثانوية، بل كان أشبه بمصير محتوم.

كان والدي يدرك أنّ الكلمة أقوى من أي سلاح، وأنّ الأفكار قادرة على بناء الأوطان بقدر ما تستطيع أن تهدمها. لم يفرض عليّ الكتب فرضًا، بل تركها في متناول يدي كما يترك المعلّم أبواب المعرفة مشرّعة لتلاميذه. كنت ألمح غلافًا، أقترب، أمدّ يدي، فأجد نفسي في عوالم أوسع من عمري، وأجرأ من طفولتي.



أمّي، مثل كل الأمهات، خافت أن يكون هذا الانغماس المبكر في الفكر والفلسفة والسياسة أكبر من سني. لكنني كبرتُ على سؤال لم يفارقني: من أنا؟



أنا ماروني النشأة، أنتمي إلى العائلة المارونية. لكنني سرعان ما أدركت، بفضل القراءة ومرافقة الله لي في يومياتي، أنّ هذا الانتماء لا يمكن أن يكون جدارًا يغلقني، بل بابًا يفتح على مسؤولية أسمى. فحين تساءلت: لماذا مجدُ لبنان أعطيَ لنا ؟ وجدت أنّ هذا المجد ليس امتيازًا ولا وسامًا نعلّقه بفخر أجوف، بل أمانة نُظهر من خلالها قدسية الإنسان، مسلِمًا كان أم مسيحيًّا.



في مسيرتي، صادفت كثيرين تركوا بصماتهم في داخلي: أقرباء، أصدقاء، خصوم، معلمين، رهبانًا، وسياسيين. أذكر من بينهم الأب فرانشيسكو الذّي التقيته حديثًا، لكنني شعرت وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد. هؤلاء جميعًا يستحقون مقالات خاصة، لأن الوفاء يقتضي أن يُذكر الأثر بأمانة.



لم أنتمِ يومًا إلى حزب سياسي، لا تكبّرًا ولا تهرّبًا من الالتزام، بل لأنّ الانتماء الحزبي لم يكن يومًا هاجسي. ومع ذلك، نشأت في بيئة سياسية مركّبة: بين مدارس متباينة وأفكار متناقضة. ومع كل هذا التنوع، ظل يقيني ثابتًا: أنّ السياسة لا يجب أن تسرق من الإنسان نفسه.



لهذا اليقين مكانة خاصة عندي. عاهدت نفسي أن أكون شفاف السلوك، نزيه الفكر. وإذا تحوّلت السياسة على أيدي محترفيها إلى ملعب للنفاق والغدر وأذية الإنسان، فلن أنسحب منها، لأن ذلك سيكون سهلاً، بل سأناضل لأستردها حتى تبقى في خدمة الإنسان اللبناني.



ومن على شرفة شفافيتي، أقول:

أنا مدين قبل كل شيء لشهداء المقاومة اللبنانية، شهداء الجبهة اللبنانية.



هؤلاء الشباب، من عمري يومها، تركوا مقاعد الدراسة وأحلامهم وحملوا السلاح، لا حبًا بالعنف، بل لأن التاريخ فرض عليهم خيارًا وجوديًا: إما الفناء وإما البقاء. لم أحمل السلاح يومًا، لكنني أحمل عبء الحرية التي دافعوا عنها، وأمانة أن أصونها بالكلمة والفعل.



وُلدتُ في زمن الاحتلال السّوري، وعشت زمن السلاح غير الشرعي، وكان لي شرف النضال المتواضع من أجل الدولة. رأيت الاغتيالات تخطف وجوهًا كنت أعتبرها منارات فكرية، ورأيت كيف يُستهدف الحلم اللبناني كلما اقترب من النهوض.



كلما أطلّ أيلول، أستعيد ذكرى الشهداء الذين صنعوا مجدًا لم يُدنّس ولم يُساوَم عليه. في قداستهم سرّ الوطن، وفي وجود جيل شبابي مدين لهم بالوفاء ضمانة لئلا تتكرر المأساة. وأشير أيضًا إلى كل من سقط، مهما كان انتماؤه، دفاعًا عن بيته وأرضه وكرامته: كلهم شهداء، وكلهم شركاء في الدم والذاكرة.



أخاطب أخيرًا جيلي، خصوصًا الذين يقولون: "ما خصنا بالسياسة".

السياسة ليست ترفًا. إنها مسؤولية وجودية.

لا تقتلوا آباءكم وأجدادكم مرتين: مرة بالنسيان ومرة بالإهمال.

أعرف أنّ آمالنا خابت مرارًا، لكننا مسؤولون عن حاضرنا ومستقبلنا.



المطلوب منّا التزام عملي: أن نزرع وطنًا لا يحتاج فيه أبناؤنا وأحفادنا أن يحملوا السلاح من جديد؛ أن نبني دولة قانون عادلة، لامركزية تحفظ التعددية وتصون كرامة جميع مواطنيها؛ دولة صلبة في وجه العواصف، قادرة أن تقف دائمًا… حيث لا يجرؤ الآخرون.