كتاب لأمين الياس

إشكاليّة تعليم التاريخ في لبنان

8 دقائق للقراءة
الخلاف على الهويَّة اللبنانيَّة منطلقه دينيّ

من خلال استعراض مسار تعليم التاريخ في لبنان، يحاول الكاتب أمين الياس في مؤلَّفه "إشكاليّة تعليم التاريخ في لبنان"، ربط تطوّر تعليم التاريخ بإشكاليَّات الوضع اللبناني، لا سيّما مسألة الخلاف على الهوية، وأزمة القصور عن تطوير العقد الاجتماعي بين اللبنانيّين. كما يضيء الكتاب الصادر عن "دار سائر المشرق"، على نجاح أهل التاريخ والتربية ليس فقط في محاولات إنتاج منهاج جديد للتاريخ، بل في إطلاق ديناميات أهليَّة ونخبويَّة لتطوير التاريخ كمجال معرفي. وتُعتبر تجربة "الهيئة اللبنانية للتاريخ" من أبرز هذه الديناميات، وهي انطلقت في عملها من التركيز على المعلّم كعنصر تغيير وتطوير، وعلى المتعلّم كمحور العمليَّة التربوية. يشكّل هذا الكتاب، الذي تنشر "نداء الوطن" اليوم فصلًا منه، إضافةً في الحوار حول تطوير منهج التاريخ ومساهمة في النضال المجتمعي من أجل بلوغ هذا الهدف.



لنعترف بداية ونقول إنّ وجود أزمة هويَّة في لبنان وتأثيرها على تعليم التاريخ في لبنان قد يكون فيه شيء من التبسيط. ذلك أنَّ أزمة الهويَّة بذاتها إنّما مرتبطة بأزمة فكريَّة كبيرة تحكُم ليس فقط فئات من الاجتماع اللبناني بل فئات واسعة من مجتمعات الفضاء العربي، وهي أزمة فكريَّة – ثقافيَّة ذات جذور تاريخيَّة ودينيَّة.

تتجسّدُ هذه الأزمة في منظومة فكريَّة ومعرفيَّة آتية من القرون الوسطى. وهي تتخّذ أحيانًا طابعًا مقدّسًا، ذلك أنَّ الفكر العقلاني ضمن الفضاء العربي والإسلامي لم يصل إلى مرحلة من الجرأة والقدرة على وضع هذه المنظومة موضع السؤال والنقد، وعلى محاولة تطويرها لتكون أكثر ملاءمة مع عالم اليوم المحكوم بمنظومة فكريَّة حداثويَّة مرّت بمراحل أنْسَنَة، ونهضة، وأنوار، وثورات فكريَّة وشعبيَّة، وتحرير الفكر والاجتماع من سطوة الجهل المقدّس، وإيجاد علاقة جديدة ما بين المقدّس وغير المقدّس تقوم على أولويَّة الإنسان كقيمة وغاية بحدّ ذاته، وليس أولويَّة الأنظمة الدينيَّة. 


هذا القصور عن المقاربة العقلانيَّة لأحوال الإنسان تتجلّى في المشهد السياسي والمجتمعي اللبناني والعربي والإسلامي، بالضياع في تحديد الهويَّة وفي التمييز بين الانتماء الروحي والديني وبين الانتماء السياسي والوطني. وهذا القصور مرتبط بشكل أساسي بالنظرة الأحاديَّة إلى الأمور وفكرة أنَّ الهويَّة هي مُعطى مُسبق، آتٍ من الله ومن الدِّين ومن السَّلف، بما يخالف كلّ النظريَّات الحديثة التي تقول إنَّ الهويَّة هي "بناء ثقافي" بما يعنيه الأمر من تراكم فكري وثقافي وتاريخي، وهو يكون في حالة تغيُّر وتطوُّر دائمَين بحسب تغيّر الأحوال والظروف والأفكار. 


ولبنان منذ نشأته عانى من هذا الانقسام حول الهويَّة. يُضاف إلى هذا الأمر عاملٌ آخر يتمثّل بعدم تمكّن الفئة المسلمة من استيعاب التغيّر في النظام العالمي عند انتهاء الحرب العالميَّة الأولى في العام 1918 والذي تجسّد في الانتقال من عالم الإمبراطوريَّات الكبرى - وهي الفئة التي كانت خاضعة للإمبراطوريَّة العثمانيَّة - إلى نظام عالمي جديد قائم على الدول الوطنيَّة الحديثة المرسَّمَة الحدود، والمرتكزة على عقد اجتماعي، والمعترف بها دوليًّا ضمن إطار ما عُرف آنذاك بـ "عصبة الأمم".


إنَّ عدم القدرة على استيعاب تغيّرات العالم الجديد سارت بشكل موازٍ مع عدم قدرة على التعاطي مع "الزمان" كمفهوم معاصر. فالتفكير في مفهوم الزمان عند العرب والمسلمين معطوب، وربما كان ذلك أحد الأسباب العميقة الكامنة وراء تخلّفنا الحضاري. وإذا كان الزمان هو كيفيَّة التفكير في ثلاثي الماضي/ الحاضر / المستقبل، فإنَّ المفكّرين المسلمين المعاصرين لم يلتفتوا بتاتًا إلى هذا الأمر، ووقعت غالبيّتهم في فخّ الأيديولوجيَّة الدينيَّة. ولأنَّ العقلانيَّة والأنْسَنَة هما مفتاح أساسي في إعادة النظر في مفهوم الزمان، فإنّ قصور كُتَّاب التاريخ العرب والمسلمين المعاصرين وانحيازهم للتفسير الديني الإسلامي للزمان وللتاريخ، جعلا من كتابة التاريخ باللغة العربيَّة ومن ثمّ تعليم التاريخ غير متناسبة مع المفهوم المعاصر للزمان بما هو من ديناميكيَّة مُتحرّكة ومُتطوّرة بحسب تغيُّر أحوال وأفكار الإنسان.


أوَّل ما تجلّت أزمة الهويَّة والانتماء هذه في تعليم التاريخ، كان في العام 1937 عندما وضع كلّ من الدكتور أسد رستم والأستاذ فؤاد افرام البستاني كتابًا لتاريخ لبنان لطلبة الشهادة الابتدائيَّة. 


في الواقع لم يكن هذا الكتاب هو الأوَّل في لبنان، إذ سبقه عددٌ من الكتب. غير أنَّ ما ميّزه ليس فقط الترحاب الذي استقبلته فيه المدارس المسيحيَّة، إنّما أيضًا الاعتراض الكبير عليه من قبل المدارس الإسلاميَّة، وحيث واجهته، كما يقول الدكتور أبي فاضل، "حملة شديدة من المثقّفين المسلمين". وكانت ردّة الفعل من قبل كلّ من الأساتذة زكي النقاش وعمر الفرّوخ بتأليف كتاب تاريخ مواجه له بعنوان تاريخ سورية ولبنان المصوّر. 


إنَّ كتابَي التاريخ المذكورَين يمثّلان نهجَين وأيديولوجيَّتين مُختلفتَين في النظرة إلى لبنان وإلى هويَّته. إذ نجد في كتاب رستم والبستاني، وعلى غرار النموذج الأوروبي، تركيزًا على اعتماد أيديولوجيَّة تاريخيَّة من أجل إعداد مواطن لبناني، أيديولوجيَّة تقوم على النظر إلى لبنان وهويّته بما هو من شخصيَّة مميّزة ومتفرّدة من القديم وحتّى تاريخ وضع الكتاب. كما وأنه يعرض لتاريخ لبنان كاستمرار للبنان الفينيقي، والقرون الوسطى، والعلاقات التاريخيَّة مع أوروبا، وعهود الإمارتَين المعنيَّة والشهابيَّة، مع التشديد على شخصيَّتي الأميرين فخر الدين المعني الثاني وبشير الثاني بما هما من تجسيد لإرادة اللبنانيّين الذاتيَّة الساعية دومًا إلى الاستقلال والتمايز. 


في المقابل، رفض بعض الأوساط الإسلامية الكتاب، وكان كلّ من الدكتور عمر فرّوخ، أستاذ الفلسفة الإسلاميَّة والأدب العربي في "كليَّة المقاصد" في بيروت، وزكي نقاش، أستاذ التاريخ والجغرافيا في الكليَّة نفسها قد قادا الحملة ضد الكتاب، وبادرا إلى وضع كتاب يعرض نظرتهما للبنان بما هو  جزء من "العالم العربي الإسلامي، لا بل من الأمّة الإسلاميَّة، من دون أنْ تكون له شخصيَّة تميّزه عن هذه الأمّة". في هذا الكتاب، لم تُذكر الحضارة الفينيقيَّة إلَّا في صفحَتَين، من دون إعطاء أي اهتمام للحضارات القديمة بشكل عام. المسيحيَّة مذكورة فيه ضمن سطر واحد، وهي تظهر بحسب هذا الكتاب سببًا من أسباب سوء أحوال سوريا قبل أنْ "يُنقذها العرب من أيدي الروم". وإذ يسهب في عرض تاريخ العرب من الجاهليَّة إلى الدعوة الإسلاميَّة، نجده يُفصّل الحديث عن النبي محمّد والفتوحات العربيَّة والعهود الأمويَّة والعباسيَّة والمملوكيَّة والعثمانيَّة. لبنان في هذا الكتاب جزء من سورية العربيَّة المسلمة، وهو "عمل مُصطنع وأمر مفروض أرادته السياسة الأوروبيَّة". يصف أبي فاضل هذا الكتاب كالآتي: "هذا الكتاب ليس تاريخ لبنان، ولو ورد اسم لبنان فيه بشكل عابر، ولا هو تاريخ جميع اللبنانيّين، إنّه صفحات من تاريخ العرب والمسلمين، وتركيز على تاريخ سورية".


في أطروحته حول التربية على المواطنيَّة، يشرح نمر فريحة، الأستاذ في كليَّة التربية ورئيس المركز التربوي للبحوث والإنماء ما بين 1999 و 2002، الخلاف على الهويَّة اللبنانيَّة من منطلق ديني وتأثير هذا الأمر على تعليم التاريخ في لبنان. حتّى أنّه يعرض في هذه الأطروحة دراسات أُجريت في لبنان ما بين 1970 و 1980 على طلاب من مدارس مسيحيَّة وإسلاميَّة في لبنان، حيث تُظهر كيف أنَّ طلاب المدارس المسيحيَّة يُعرّفون عن أنفسهم أولًا بأنّهم لبنانيّون، في حين أنَّ غالبيَّة الطلاب في المدارس الإسلاميَّة يعربون عن ميلهم للتعريف عن أنفسهم أولًا بأنّهم عرب. 


وقد يكون من المفيد هنا، من أجل توضيح صورة وأجواء تفاعل اللبنانيّين مع هويّتهم وانتمائهم وأثر هذا الأمر على تعليم التاريخ، أنْ ننقل عن وزير التربية والخارجيَّة السابق فؤاد بطرس الذي أورد في مذكّراته الرواية التاليَّة حول كتاب ومنهاج التاريخ والصراع على الهويَّة اللبنانيَّة. إذ في العام 1966، كان بطرس وزيرًا للخارجية وللتربية. وانطلاقًا من موقعه هذا، أراد أنْ يُحسّن بعض الأمور المرتبطة بالتربية. فقام بإنشاء جهاز للرقابة على المدارس الخاصَّة، وبتحديد أسعار الكتب المدرسيَّة، كما ألّف لجنة لدرس مشروع تحديث برامج البكالوريا اللبنانيَّة واعتماد كُتُب موحّدة في بعض المواد. من هذه المواد كانت مادة التاريخ. فقام من أجل إنجاح العمل، لا سيّما بعد بروز بعض الخلافات حول كتاب التاريخ، بحضور هذه الاجتماعات لكي يكون "عاملًا ايجابيًّا لتقريب وجهات النظر". وقد نجح هو واللجنة بـ "الاتفاق على كتاب تاريخ موحّد، وبرامج حديثة". ثم قام بإرسال كلّ هذا العمل إلى رئيس الحكومة آنذاك عبد الله اليافي. ويُكمل بطرس روايته كالآتي: "بعد بضعة أيَّام، اتصل بي الرئيس اليافي وقال لي: يا فؤاد، وصلني البرنامج وأريد أنْ أهنّئك على هذا العمل الجيّد، ولكنّ لكي أوافق عليه يجب أنْ أنقل سكني إلى مكان آخر. أقول لك بصراحة أنا مقتنع به ولكن جوّي ومحيطي لا يسمحان لي بذلك في الوقت الحاضر". ويُنهي بطرس روايته بالقول إنَّه أوقف كلّ شيء، من دون ضجّة، "ومنذ ذلك الوقت لا يزال الاتّفاق على كتاب التاريخ أمرًا متعذرًا".