مع اقتراب موعد بداية العام الدراسي، تعود قضية المناهج البالية لتتصدّر اهتمامات الأساتذة والطلاب. فالجيل الذي يتربّى على التكنولوجيا ويتنفّس الابتكارات الرقمية، يحمل في حقيبته المدرسية كتبًا عمرها أكثر من 3 عقود. والأولاد الذين يتقنون ما نجهله نحن جيل التسعينات في خبايا الأدوات الذكية، ما زالوا يتعلّمون دروسًا لا تمّت لواقعهم بصلة.
أسباب توقّف الزمن في قطاع التربية متشابكة إلّا أنّ ذلك لا يمنع المطالبة بمستقبل تعليميّ أفضل لأولادنا يواكب هذا العالم المتسارع. هذا ما يؤكّده رئيس "رابطة التعليم الأساسي" حسين جواد الذي يعتبر أنّ أبرز نقاط الضعف في النظام التعليميّ تكمن في المناهج التي لا تلحظ التطوّر التكنولوجي والعلميّ، ولا تواكب تحدّيات الذكاء الاصطناعي الذي قد يقتل الإبداع إن استُخدم كبديل لا كمساعد.
وللاطّلاع على واقع لبنان، ووفق تقرير "المهارات العالمي 2025"، جاء في المرتبة 84 عالميًا و 10 إقليميًا بكفاءة 32 % في الأعمال، 16 % في التكنولوجيا، و24 % في علوم البيانات. كما حلّ في المرتبة 72 عالميًا في مؤشر التعليم، ما يضعه في مرتبة متوسطة إلى ضعيفة.
المشكلة لا تقتصر على التكنولوجيا. فغياب الرّبط بين التعليم الأكاديمي والمهني يشكّل فجوة، إذ يجهل الطلّاب حاجات سوق العمل، ويتوجّهون لاختصاصات تقليدية، في حين ينبغي أن يشكّل التوجيه عنصرًا أساسيًا في التخطيط التربوي كي يتوجّه الطلاب نحو الوظائف المطلوبة. كما أنّ المهارات الحياتية التي يتطلّبها هذا الزمن لا تُكتسب في المدارس، فمثلًا صيانة الأجهزة الإلكترونية غائبة عن المناهج رغم أهميّتها، وفقًا لجواد، الذي يؤكّد ضرورة التركيز على الموسيقى والفنون أيضًا.
وفي معرض حديثه عن مادة التاريخ، يرى جواد أنّها لا تعكس حاجات الطلاب الذين يحبّذون المجالات العلميّة، لا سيّما أنها تقتصر على أحداث حصلت قبل أكثر من 100 عام، بالإضافة إلى العجز عن توحيد سرديّة تاريخ لبنان، حيث تختلف التفسيرات بين الطوائف والأحزاب، وصولًا إلى الخلاف حول توصيف بعض المفاهيم مثل "المقاومة" أو "الإرهاب"، ما يجعل أبسط التسميات سببًا لحساسيات طائفية.
أما مادة "التربية الوطنية"، فالتلميذ يحفظ نصوصًا عن المواطنة من دون أن يتعلّم معناها الحقيقي، وعند أول أزمة يلوذ اللبناني بطائفته أو حزبه، لتبقى المواطنة شعارًا لا ممارسة. كما أنها لا تركّز على تعليم الطفل تنفيذ القيم والأخلاقيات بل تحفّظه بعضها فقط، وفقًا لجواد. كما يطرح تساؤلات حول أسباب التفاصيل العبثية في مادة الجغرافيا.
ورغم أهمية المناهج في تنمية الطفل، يلفت جواد إلى أمر أهم، سائلًا: "هل المدارس الخاصة وطنية أم طائفية وحزبية؟". الجواب للأسف هو أننا نربّي الأطفال في مدارس طائفية تختار لهم انتماءاتهم الحزبية. ولذلك يؤكد "أننا لا نعدّ طلّابًا متساوين في المواطنة، بل أجيالًا قد تتصارع من جديد وقد تكرّر مآسي الحرب الأهلية".
وبالعودة إلى مصير ورشة تعديل المناهج، يوضح جواد أنّ "المركز التربوي للبحوث والإنماء" بدأ منذ 3 سنوات بوضع الأطر المطلوبة، لكنّ عملية التأليف ما زالت متعثرة بفعل العوائق الاقتصادية والإدارية، مع الإشارة إلى أنّ المناهج تحتاج إلى فترة تجريبية قبل اعتمادها.
صحيحٌ أنّ البعض يشير إلى وجود تفاوت في المناهج بين المدارس الرسمية والخاصة، إلّا أنّ ما يجب توضيحه هو أنّه حتى المدارس الخاصة - التي تتّبع المنهج اللبناني - وإن قامت بطباعة كتب خاصة بها لأسباب تجارية، تبقى ملتزمة بالكفايات التي يضعها "المركز التربوي". وهذا يؤكّد أنّ تطوير المناهج مسؤولية وطنية شاملة، لا يمكن التنصّل منها.
خلاصة القول، لأن "بالعلم تُبنى الأمم وبالجهل تُهدم"، ينبغي أن يكون إصلاح التعليم أولوية وطنية حقيقية، لا مجرّد شعار موسميّ.