عبد الله جهجاه

تركيا وإسرائيل: من القطيعة الاقتصادية إلى صراع النفوذ الإقليمي

7 دقائق للقراءة

منذ أن أعلنت أنقرة وقف العلاقات التجارية مع إسرائيل نهاية الشهر الماضي، وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية، بدا القرار وكأنه إعلان غير رسمي عن حالة عداء شاملة بين البلدين. الباحث كوهن-ياناروكاك وصف الخطوة بأنها لا تحدث إلا في أوقات الحرب، إذ إنها تقطع الاعتماد المتبادل وتفتح الباب أمام تصعيد استراتيجي قد يتجاوز كل ما عرفته المنطقة في العقود الأخيرة. لكن خلف هذه القطيعة الاقتصادية يقبع مشهد أكثر تعقيدًا، يتشابك فيه طموح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إعادة الاعتبار لتركيا كقوة إسلامية قائدة، مع مخاوف إسرائيل من صعود منافس إقليمي يهدد مجالها الحيوي في شرق المتوسط وسوريا.


العلاقات التركية–الإسرائيلية: من الشراكة إلى القطيعة

تاريخ العلاقات بين تركيا وإسرائيل يكشف أن ما يجري اليوم ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات متشابكة. فمنذ عام 1949، حين كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل، شهد البلدان تعاونًا استراتيجيًا واسعًا امتد إلى الجوانب العسكرية والاستخباراتية. خلال الحرب الباردة، كانت إسرائيل ترى في أنقرة جسرًا إلى العالم الإسلامي، بينما استفادت تركيا من الدعم الإسرائيلي في تحديث جيشها. لكن مع صعود أردوغان عام 2003، بدأت العلاقة تأخذ منحى مختلفًا، إذ تداخل البعد الأيديولوجي مع السياسة الواقعية.


ورغم استمرار التجارة والسياحة، فإن التوتر ظل كامنًا، وتفجر على نحو صارخ في أزمة سفينة "مرمرة" عام 2010 حين قتل الجيش الإسرائيلي نشطاء أتراكًا كانوا في طريقهم إلى غزة. ورغم محاولات تطبيع جزئي بين 2016 و2022، جاءت حرب غزة عام 2023 لتطيح بما تبقى من الجسور، وتنقل العلاقة من براغماتية مضطربة إلى قطيعة كاملة.


أردوغان كـ "خليفة رمزي" وزعيم للأمة السنية

خطاب أردوغان لعب دورًا مركزيًا في هذا التحول. الرجل الذي يقدم نفسه وريثًا للإرث العثماني، يتحدث دومًا عن مسؤولية تركيا التاريخية تجاه المظلومين المسلمين، ويرى في نفسه زعيمًا للأمة السنية. حرب غزة مثّلت بالنسبة له فرصة لتجديد هذه الصورة أمام الداخل والخارج، فظهر كمدافع أول عن الفلسطينيين، ومهاجم شرس للسياسات الإسرائيلية.


هذا الخطاب وجد صدى واسعًا في الشارع التركي والعربي، وعوّض أردوغان عن تراجع شعبيته داخليًا بسبب الأزمة الاقتصادية. وهكذا تحولت القضية الفلسطينية إلى أداة تعبئة انتخابية وأيديولوجية في آن واحد، ما جعل من الصعب التراجع عن خطوات تصعيدية مثل وقف التجارة أو إغلاق المجال الجوي.


الاقتصاد كسلاح في الصراع السياسي

القرار الاقتصادي لم يكن بلا ثمن. فالتبادل التجاري بين الطرفين تجاوز 6.5 مليارات دولار سنويًا، حيث صدّرت تركيا الحديد والمواد الغذائية والنسيج، واستوردت من إسرائيل التكنولوجيا والكيماويات.


قطع هذا الشريان ضرب مصالح شركات تركية كثيرة، لكنه منح أردوغان رصيدًا سياسيًا داخليًا، ورسخ صورته كقائد يتحدى إسرائيل. أما من الجانب الإسرائيلي، فإن إغلاق المجال الجوي التركي أجبر طائراتها على اتخاذ مسارات أطول وأكثر كلفة، ما يعكس حجم التأثير الرمزي والاستراتيجي للقرار. وبدا واضحًا أن أنقرة قررت استخدام الاقتصاد كسلاح ضغط، في خطوة تذكر بما فعلته روسيا حين وظفت الغاز أداة للنفوذ السياسي.


سوريا: ساحة المواجهة القادمة

المواجهة الأعمق تبدو مرشحة لأن تتجسد في سوريا، حيث تتقاطع مصالح الطرفين بصورة مباشرة. بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس الجديد أحمد الشرع بدعم المعارضة، وجدت تركيا نفسها اللاعب الأجنبي الأبرز في دمشق. عززت أنقرة حضورها العسكري، ساعية لبناء قواعد دائمة ومنظومات دفاعية، فيما رأت إسرائيل أن الفراغ الأمني فرصة لتوسيع نطاق ضرباتها الجوية وإنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري.


اللقاء الذي جمع مسؤولين أمنيين من الطرفين في أذربيجان برعاية أميركية كان محاولة لتفادي "الانفجار"، لكن الفجوة بين الرؤيتين ما زالت واسعة: تركيا تريد سوريا قوية مركزية تمنع عودة الفراغات الأمنية وملاذات حزب العمال الكردستاني، بينما تفضل إسرائيل سوريا ضعيفة مجزأة يسهل احتواؤها والسيطرة على قراراتها.


القوة العسكرية التركية: بناء الردع بالحديد والنار

في خلفية هذه التوترات، تواصل تركيا بناء قدراتها العسكرية بشكل ملحوظ. الإعلان عن منظومة "القبة الفولاذية" المحلية، المكونة من أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، جاء برسالة مباشرة لإسرائيل مفادها أن أنقرة تستعد لأي سيناريو.


وإلى جانب ذلك، كشفت تركيا عن تطوير الصاروخ الفرط صوتي "طيفون بلوك 4"، وأبرمت صفقة شراء 40 مقاتلة "يوروفايتر" لتعويض غياب الطائرات الأميركية من طراز F-35، فضلًا عن إطلاق مشروع لبناء ملاجئ مضادة للتهديدات النووية في 81 ولاية. هذه الإجراءات لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى توصيات تقرير استخباراتي رصد احتمالية مواجهة مع إسرائيل بعد دروس الحرب الإسرائيلية–الإيرانية الأخيرة.


الجبهة الداخلية: شرط أساسي للصمود

لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي في حسابات أنقرة. فقد أدرك أردوغان أن أي مواجهة خارجية تحتاج إلى جبهة داخلية صلبة، لذلك عمل على إنهاء ملف حزب العمال الكردستاني عبر صفقة مع زعيمه أوجلان، وواصل حملته ضد تنظيم غولن الذي تتهمه أنقرة بمحاولة الانقلاب عام 2016.


حتى قطاعات الصناعات الدفاعية لم تسلم من التطهير الأمني، مع اعتقالات طالت رجال أعمال ومسؤولين بارزين بتهم التجسس والارتباط بجماعات محظورة. وبهذا ربط أردوغان بين مشروعه القومي لتقوية تركيا وبين تصفية خصوم الداخل، تحت شعار "تركيا بلا إرهاب".


الولايات المتحدة: وسيط عالق بين حليفين

على الضفة الأخرى، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة بين حليفين استراتيجيين يتجهان إلى الصدام. واشنطن ترى في أنقرة شريكًا ضروريًا في إعادة بناء سوريا واستقرارها، خصوصًا بعد رفع العقوبات ومنح الشرعية الجزئية للنظام الجديد. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للإدارة الأميركية التفريط بعلاقتها التاريخية مع إسرائيل.


الرئيس دونالد ترامب حاول أن يدفع نتنياهو إلى "التحلي بالمرونة" تجاه الدور التركي، لكن إسرائيل لا تخفي قلقها من أي نفوذ تركي جنوبًا. وهكذا تلعب الولايات المتحدة دور "الموازن"، لكنها تواجه مأزقًا معقدًا: أي انحياز لطرف قد يهدد التحالف مع الآخر.


حرب إعلامية ورمزية متبادلة

التوتر بين تركيا وإسرائيل لم يبقَ في حدود السياسة والاقتصاد والعسكر، بل تمدد إلى الفضاء الإعلامي والرمزي. أردوغان شبّه إسرائيل بالنازية واتهمها بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، فيما رد نتنياهو باعترافه بإبادة الأرمن واليونانيين والآشوريين، في خطوة استفزت أنقرة بشدة.

هذا التراشق اللفظي لم يكن مجرد حرب كلامية، بل كان جزءًا من معركة كسب الرأي العام الداخلي والخارجي، ومن حرب نفسية تهدف إلى شيطنة الطرف الآخر.


السيناريوهات المستقبلية: إلى أين تتجه العلاقة؟

وسط هذه التفاعلات، تبقى السيناريوات المستقبلية مفتوحة على أكثر من احتمال. التصعيد المفتوح يظل واردًا إذا فشلت آليات فض الاشتباك في سوريا، ما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة ولو محدودة. وفي المقابل، قد يكتفي الطرفان بتجميد الخلاف عند مستوى القطيعة الاقتصادية والسياسية مع الحفاظ على قنوات أمنية غير معلنة لتفادي الانفجار.


احتمال التسوية برعاية أميركية يبدو ضعيفًا في المدى القريب، بسبب تصلب مواقف أردوغان ونتنياهو. أما على صعيد التحالفات، فقد تتقارب تركيا أكثر مع إيران وقطر، بينما تميل إسرائيل لتعزيز شراكاتها مع اليونان وقبرص ودول خليجية تخشى من النفوذ التركي.


من البراغماتية إلى العداء الاستراتيجي

ما هو مؤكد أن العلاقة التركية–الإسرائيلية انتقلت من حالة تعاون براغماتي إلى عداء استراتيجي مكشوف. حرب غزة كانت الشرارة التي فجرت الخلافات، لكنها لم تكن السبب الوحيد. جوهر الأزمة يكمن في تنافس أوسع على زعامة الإقليم وإعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط.


وسوريا، بما تمثله من ساحة فراغ بعد سقوط الأسد، قد تتحول إلى ميدان اختبار نهائي: فإما أن ينجح الطرفان في التعايش رغم تناقض الرؤى، وإما أن ينجرفا نحو مواجهة مفتوحة تغيّر ملامح المنطقة. وفي كل الأحوال، بات واضحًا أن القطيعة الراهنة ليست حدثًا عابرًا، بل تحولًا هيكليًا سيترك بصماته على الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط لعقود مقبلة.


صحافي وكاتب لبناني مقيم في تركيا، يركز في مقالاته وتحقيقاته على قضايا الشرق الأوسط والتحولات الإقليمية والأمن الإقليمي والعلاقات الدولية.