أثار تصريح النائب هاني قبيسي بأن الدولة اللبنانية "تخلّت منذ الاستقلال عن حماية حدود الوطن" عاصفة من الجدل، وأعاد طرح أسئلة محورية حول مسؤولية المؤسسات الرسمية في الدفاع عن السيادة. لكن نظرة عميقة للتاريخ تكشف أن نظريات سعادة النائب تتجاهل عن قصد أو عن جهل حقائق أساسية، وتحمّل الدولة مسؤوليات لا تتوافق مع السياق السياسي والعسكري للبنان منذ عام 1943.
خلافًا لما يُقال، الوقائع التاريخية تُثبت أن الجيش اللبناني كان حارس الحدود الحقيقي الذي تحاول اليوم آلة الدعاية السوداء طمس وجوده. ويكفي أن نرجع إلى الوثائق الرسمية المنشورة في موقع الجيش اللبناني الإلكتروني، وإلى مراجع تاريخية، بما فيها أرشيف الصحف التي كانت تصدر في تلك الأيام، لنكتشف الحقيقة وندرك حجم الجريمة التي يرتكبها المضلّلون. فمنذ فجر الاستقلال وحتى اتفاقية القاهرة المشؤومة، كان الجيش هو حامي الحدود الوحيد، وقاتل ببسالة في مواجهات متكررة مع العدو الإسرائيلي.
ولتنشيط ذاكرة حديثي العهد بالسياسة، الذين يحاولون تزوير التاريخ، نذكر باختصار بعض الحوادث:
- في عهد الرئيس بشارة الخوري، اندلعت حرب 1948، حيث شارك لبنان إلى جانب الجيوش العربية في مواجهة إسرائيل. قام الجيش اللبناني بشن هجمات مباشرة وتمكّن من استعادة قرية المالكية من القوات الإسرائيلية، ثم تقدّم نحو قادش ورامات نفتالي داخل الجليل. ورغم صغر حجمه، اعتُبر الجيش اللبناني الجيش العربي الوحيد الذي نجح في اختراق تحصينات العدو. في هذه المواجهات برز وزير الدفاع الوطني الأمير مجيد أرسلان كقائد مغوار قاد العسكر من الخنادق والمتاريس وليس من المكاتب والملاجئ، كما حفر الجندي في الجيش اللبناني الياس إبراهيم أيوب، ابن بلدة منيارة العكارية، بطولات مميزة في ذاكرة التاريخ. في تشرين الأول 1948، شنّت إسرائيل عملية "حيرام" واحتلّت المالكية نهائيًا. واستُشهد في المعركة النقيب محمد زغيب وعدد من الجنود، وبقيت بطولات الجيش اللبناني حاضرة في الذاكرة الوطنية.
- في عهد الرئيس كميل شمعون، سجّل الجيش اللبناني استنفارًا على الحدود الجنوبية بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لكنه ظلّ يسيطر بالكامل على الحدود، ولم تُسجّل سوى خروقات محدودة جدًا دون مواجهات عسكرية مباشرة مع القوات الإسرائيلية.
- في عهد الرئيس فؤاد شهاب، سُجّلت محاولة إسرائيلية فاشلة لاستهداف طائرات الميراج 5، بينما بقي وضع الجبهة اللبنانية مع إسرائيل مستقرًا نسبيًا. وتمتّع الجيش اللبناني خلال هذه الفترة بقدرات قتالية محسّنة، بعد تزويده بالطيران المقاتل من فرنسا، مما عزّز جاهزيته القتالية على الحدود.
- في عهد الرئيس شارل حلو، أدى تغلغل الفدائيين الفلسطينيين في الأراضي اللبنانية، وتعاطف شريحة واسعة من اللبنانيين معهم، إلى ضعف قدرات الجيش اللبناني، مما أدى إلى بداية فوضى على الحدود. ردت إسرائيل على العمليات الفدائية الفلسطينية بغارة على مطار بيروت الدولي. ومع تطبيق اتفاقية القاهرة، زاد مستوى التوتر على الحدود وبدأت عمليات الكر والفر في صيف 1969، حيث سُجّلت عدة هجمات متتالية على الجنوب.
- في عهد الرئيس سليمان فرنجية، اجتاح الجيش الإسرائيلي منطقة العرقوب، ثم عاود اجتياحها في أيلول 1972، وقد تصدى الجيش اللبناني للهجوم الإسرائيلي ببسالة. وفي اجتياح عام 1972، دفع الجيش اللبناني ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه، حيث قدّم 19 شهيدًا و46 جريحًا. لكنه في المقابل، قدّم درسًا في البطولة. تشير التقارير العسكرية، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن الرقيب الأول إسماعيل أحمد تمكّن بواسطة دبابة واحدة بإمرته من تدمير سبع دبابات إسرائيلية، واستمر في القتال حتى نفاد الذخيرة، وقد أكّد مراسل أجنبي رافق الحملة الإسرائيلية أن "الجيش اللبناني قاتل بشدّة، فأعطت مقاومته صورة جيدة عن معنوياته، وقلبت جدول التوقيت الإسرائيلي رأسًا على عقب". وأضاف أن "الجهد الذي بذله الإسرائيليون لا يمكن اعتباره نجاحًا" بالنظر إلى حجم الإصابات.
هذه الوقائع التاريخية تؤكد أن الجيش لم يتخلّ طوعًا عن حماية الجنوب، بل كان يؤدي واجبه في ظل إمكاناته المحدودة وقرار سياسي يلتزم باتفاق الهدنة. علاوة على ذلك، ساهمت الدولة قبل الحرب المشؤومة عبر مؤسساتها الرسمية في دعم صمود أهالي الجنوب عن طريق شراء محصول التبغ، مما شكّل خط الدفاع الاجتماعي الأول لصمود الأهالي في بلداتهم.
منذ عام 1992، أصبحت حركة أمل وحزب الله وحلفاؤهما شركاء أساسيين في السلطة. وهنا يُطرح سؤال جوهري: إذا كانت الدولة قد "تخلّت" عن الجنوب، فماذا فعلت هذه القوى عندما أصبحت هي نفسها جزءًا لا يتجزأ من الدولة؟ للأسف، استُنزفت موارد مجلس الجنوب في الزبائنية السياسية بدلًا من استثمارها في التنمية المستدامة لتعزيز بقاء أهل الجنوب في قراهم وبناء الملاجىء المحصنة لحماية الأهالي في زمن الحروب، بينما بقي الجيش اللبناني ،بوجود حزب الله، ممنوعًا من أداء دوره الاساسي على أرض الجنوب.
أما من جهة مقاومة العدو، ففي الوقت الذي يُصرّ النائب قبيسي على أن فكر الإمام موسى الصدر هو وحده منبع المقاومة، فإن الحقائق التاريخية والسياسية تشير إلى مسار آخر. مما لا شك فيه أن الأغلبية الساحقة من اللبنانيين تكنّ الاحترام الكبير للدور الوطني الذي لعبه السيد موسى الصدر على الساحة اللبنانية، إلا أن المقاومة الشعبية الفعلية بدأتها أحزاب علمانية مثل الشيوعي والقومي التي تمتلك فكرها الخاص الذي لا يتأثر بأي مرجعية دينية. أما بالنسبة لحزب الله، فمذكرات عبد الحليم خدام وتصريحات السيد حسن نصر الله تكشف أن السلاح والتمويل والعقيدة جاءت من إيران، مما يحوّل المقاومة الحالية إلى مشروع إقليمي ذي ارتباطات خارجية، بدلًا من كونه لبنانيًا خالصًا. هذا الارتباط يضع السيادة اللبنانية على المحك. علما أنه قبل ظهور حزب الله، شهدت الساحة اللبنانية مقاومة شعبية عابرة للطوائف، لكن هذه التجربة جرى تهميشها وإقصاؤها وطمسها عن سابق تصوّر وتصميم لصالح مشروع حزبي – مذهبي، مما أضعف البعد الوطني للمقاومة وحوّلها إلى أداة ذات بعد فئوي.
أما بخصوص دور الجيش في الجنوب بعد تطبيق اتفاق الطائف، فقد كشف الرئيس السابق إميل لحود في حديث إعلامي عام 2020 عن دوره كقائد للجيش، ودور الثنائي الشيعي والنظام السوري في منع دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب، بهدف إعطاء دور أساسي لحزب الله على حساب المؤسسة العسكرية. بالإضافة الى ذلك يتذكر اللبنانيون جيدا الاعتداءات التي نفذها حزب الله لمنع قيام الجيش بمهامه واشهرها إغتيال الضابط الطيار سامر حنا واسقاط طائرته عمدا تحت حجج واهية. شهادة الرئيس أميل لحود والحوادث الأمنية المتفرقة وخاصة إسقاط مروحية الجيش تؤكدان أن القوى التي تتّهم الدولة اليوم بالتخلي عن الجنوب، هي نفسها من عمل على إضعاف الجيش ومنعه من القيام بابسط واجباته العسكرية.
محاولة اختصار تاريخ مواجهة إسرائيل في بعد طائفي، وتقديم سلاح فئوي غير شرعي كضمانة لحماية لبنان، أفرغ الدولة من مضمونها، وترك الجيش ضعيفًا ومقيّدًا، وحوّل الشعب إلى رهينة بين الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وسلاح إيراني غير خاضع للدولة من جهة أخرى.
السيادة ليست شعارًا خطابيًا، بل ممارسة فعلية تقوم على مؤسسات رسمية قادرة وجيش وطني موحّد. إن تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية "التخلّي" عن الحدود منذ الاستقلال يتناقض مع التاريخ، ويتجاهل حقيقة أن القوى التي تتحدث اليوم باسم المقاومة كانت شريكة في السلطة لعقود، لكنها لم تنتج مشروع دولة، بل عزّزت واقعًا يضع السيادة اللبنانية رهينة لإرادات خارجية.