ميشال معيكي

سلسلة: "قامات ثقافية" (7)

مارون عبّود: "النوم ابن عم الموت"

4 دقائق للقراءة
مارون عبّود

من زمان في "عين كفاع" إحدى قرى بلاد جبيل، 9 شباط 1886، وُلِد طفلٌ صارَ أديبًا لامعًا... في مدرسة "تحت السنديانة" صيفًا، وفي قبو الخوري - المعلّم شتاءً، لقط الحرفَ وحفظَ الميامر والمزامير، ومبادئ العربيةِ والسريانية... مارون عبّود، أحد كبار أدبائنا. خلال الحرب الكونيّة الأولى، عَمِل في زراعةِ الأرض وتربية دودِ الحرير، ورعى التّوتةَ وعناقيد العريشة وتينة الحاكورة...


والده: حنّا ابن الخوري يوحنا. والدته: كاترينا بنت الخوري موسى عبود (مطوّق بالإكليروس!). من مدرسة "تحت السنديانة" وصولًا إلى "مدرسة الحكمة" 1904 (من رفاقه رشيد وأحمد تقي الدين والشهيد سعيد عقل)...

درّس طويلًا آداب اللغة العربية في "الجامعة الوطنيّة" في عاليه، لصاحبها الياس شبل الخوري (1923 - 1957). حاز مارون عبّود مجموعة كبيرة من الأوسمة العالية من لبنان وفرنسا والفاتيكان وشغل عضوية مؤسسات علميّة وأكاديميّة، بينها: عضو في "مؤسسة النهضة الوطنيّة - باريس"... نال "جائزة رئيس الجمهورية اللبنانية" (فؤاد شهاب) عام 1960.


قرأنا مارون عبّود في أعماله التي ناهزت الستّين، وبعضها ما زال مخطوطًا: وجوه وحكايات - زوبعة الدهور - على المحكّ - أقزام جبارة - مُجدّدون ومجترّون - روّاد النهضة الحديثة - أحاديث القرية - حبر على ورق - قبل انفجار البركان - فارس آغا، وسواها الكثير.


كتب الأقصوصة والمقال والرأي الناقد، وقدّم لنا وجوهًا هي أهلُ ريف زمانه، طيّبو الأرض. عرض علينا نماذج اليوميّات في أنماط الحياة من الأكل والشرب والمُدام والملبس والعادات وتقاليد الأعراس والأحزان وفنون التربية والأعياد... كتب نقدًا لاذعًا ساخرًا لكلّ عيوب زمانه كما رآها، في الاجتماع والأخلاق والأدب والسلوك. وانتقد أهلَ السياسة والحكّام ولم يوفّر أحدًا أو مقامًا.

ترك أربعة مؤلَّفات في النقد السياسي: من الجراب - قبل انفجار البركان - أشباح ورموز - مناوشات بين المقالة والرأي الناقد والرسالة.

كان على علاقة وطيدة مع أمين الريحاني. في إحدى رسائله إلى الأمين كتب مارون: "فما أرى هذه الأمة إلّا مُفلتة من نير لتقع تحت نير آخر.... يا أخي أمين: أخبرني أليس الانتداب في كل مكان حتى في السماوات؟! فإلى أين يا أمين؟ إلى السماء؟ ففيها انتدابُ بطرس ورَضوان وفي هذه الأرض يتنازعنا الملاكان وفي جهنم لوسيفوروس وأصحابُه ذوو الأذناب والقرود؟. ويردّ أمين الريحاني في 11 نيسان 1934 وكان عائدًا من منفاه في العراق عند صديقه الملك غازي بأمر من المفوض السامي الفرنسي. كتب الريحاني إلى عبّود: "سيجيء اليوم، بعد سنة أو بعد خمسين، نرى فيه المستعمر حاملًا مدفعه وطبله وزمره وكيسه الفارغ، وراحلًا راحلًا... الغدُ لنا يا مارون!".


هل كان مارون عبّود يتسلّى عبر هذه الشخصيات، حتى لا أقول يهرب من هواجسه الوجودية؟

في آخر العمر قال: "النوم ابن عمّ الموت".

خارج التصنيف. أديبٌ عجيبٌ، أحد كبارِنا، ذلك مارون.


من كتاب مارون عبّود: "أحاديث القرية"

عين كفاع كانت على عهد لبنان معبر القوافل القادمة من جبيل وجونيه وبيروت وصيدا ودمشق مثقلة بالبضائع إلى بنادر الشمال: دوما وبشري وإهدن وغيرها من دساكر لبنان، فكانت الطريق ثرثارة أبدًا، لا تخلو من الرجل والحافر. أجراس بغال وجمال تدقّ، وجلاجل حمير تهمهم، ومكارون يغنون مع الفجر العتابا والميجانا والموليّا والمعنّى والقرّادي، وأحيانًا أناشيد كنسيّة مثل: إنّ قلبي في هوى مريم، وصلاتك معنا، واطلبي عنّا، فتظنّ أن بيعة سيّارة فيها أجواق مرتّلين لولا سبّ الدين إذا تعس الحمار أو كبا البغل.


مقال من كتابه: "سبل ومناهج"

"هذا مذهبي" - مارون عبّود

مذهبي في الحياة أن لا مذهب لي. فكلّ أعمالي خبصٌ في خبص. ما أريده لا أفعله، والشيء الذي لا أريده إيّاه أصنع. أحسَبُني كرةً في يد لاعب جبّار يقذفها في الفضاء، فلا هو ولا هي تدري أنّى تتوجه وأين يكون مستقرّها. فالحياة في نظري لعبة تتلهّى بها قوة سرمدية أزلية، (...) كلّما تزاوجت أَنسَلت أقزامًا وعماليق، وكلّما انفعل الكائن الأزلي تفجّرت قواه اللامتناهية وانبثق إلى الوجود ما يحيّر كل موجود!


لا أتمثّل الحياة إلّا مدرسة لا نهاية لدروسها. خرِّيجُها يتوارى في الظلمة قبل أن يرى النور الذي ينتظر. ومع ذلك أراني أومن بالحياة إيمانًا عميقًا لا قرار له، وأُحبّها محبّةً كليّةً لكنّها بدون رجاء.


ومذهبي الأخير هو أن أستهزئ بالموت. وإنّي لأعجب كيف يخاف الموت من لا يرى أمامه حقيقة ثابتة غيرَه. نعلّم أننا ميِّتون، فمن لي بمن يضحك ويقهقه يوم أتوارى لتطيب نفسي، كممثل هزليّ مسدل عليه الستار بين تصفيق النّظار وعربدتهم الضاحكة. وهل الحياة سوى روايةٍ هزلية؟!


قدّم لنا مارون عبّود وجوهًا هي أهلُ ريف زمانه

مارون عبّود