الياس دمّر

الضحك بين الرصاص

عبثيّة الكوميديا السّوداء في "Caught Stealing"

6 دقائق للقراءة

في فيلمه الرّوائي الأخير "The Whale" عام 2022، قدَّم المُخرج Darren Aronofsky تجربةً جدّ مؤثّرة إنسانيًا، بلغت حدّ البكاء تعاطفًا مع الشّخصيّة الأساسيّة. أمّا هذه المرّة، في فيلم "Caught Stealing"، فيبتعد أرونوفسكي عن عوالم الظلام النّفسي التي اشتهر بها (كما في أفلام "Requiem for a Dream" و "Black Swan")، ليغوص في كوميديا سوداء عنيفة من عالم المافيات، مُشبعة بأسلوبه البصري الفذ.

الفيلم مُقتبس عن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب Charlie Huston، الذي تَولّى أيضًا كتابة السّيناريو، ما يضمن وفاءً نسبيًّا لجوهر العمل الأدبي. تدور الأحداث عام 1998 في مدينة نيويورك، حيث يعيش Hank Thompson (المُمثّل Austin Butler) بطل الفيلم، وهو لاعب بايسبول ممَّن كانوا يحملون آمالاً كبيرة، قبل حادثةٍ مأسويةٍ أجهضت مُستقبله وحوّلته إلى نادلٍ مُتعثّرٍ مُدمن على الكحول.


تتبلور حبكة العمل حين يطلب Russ (الذي يؤدي دوره Matt Smith) من جاره هانك، أن يعتني بِهرّه أثناء غيابه. وسُرعان ما يكتشف هانك أنَّ خلف وجود الهرّ مفتاحًا مطلوبًا من عصاباتٍ مُتنوّعة، فيختلط مصيره بشبكة مواجهات عنيفة ومُطاردات مُضنية. حتّى نجد هانك يتحوّل فجأةً من شخصٍ عادي يهرب من نفسه إلى مطاردٍ داخل دوّامة عنفٍ فوضويّ ساخر. يأتي كل ذلك، ضمن مشهدٍ سينمائي يُكثّف من التفاصيل التي تعود بنا إلى زمن ما قبل أحداث 11 أيلول 2001 والتغيّرات الكبرى في المدينة. ونسترجع بذلك برجَي "مركز التّجارة العالمي" ضمن أجواء شبابيّة صاخبة وشبه خراب حَضري وجماد ثقافي آنذاك، لتبدو كُلّها مُجرَّد خلفيّة للغموض ولترقُّب الأسوأ.


أوستن بتلر يتألّق 

في قلب هذه العاصفة، يتألّق المُمثّل Austin Butler كـلوحةٍ تتشكّل ألوانها الاستثنائيّة تدريجيًا، لتقودنا مُشاهدتها الى اندماجٍ كاملٍ داخل الحوادث المُصاحبة بالشّخصيات المُتنافرة. فبعد أن صقل مهاراته في أفلام "Elvis" و"The Bikeriders" و"Dune: Part Two"، أصبح بتلر هنا قادرًا على إثراء المشهد بتأثيراته العاطفية اللّامعة. أكان هشًّا أم خفيف الظلّ، أو يعكس آلامًا داخليّة، يبقى دائمًا جذّابًا بما يُثبت قدرته الفريدة على حمل الفيلم جذريًّا. والمُساندون أيضاً يبهرون بأدوارهم، حيث يظهر المُمثّلان المُخضرمان Liev Schreiber و Vincent D'Onofrio كيهوديَّين متديِّنَين يقتلان بلا ندم في نمطٍ كوميدي ومُستفزٍ في الوقت نفسه. أمّا Matt Smith بمظهره الـ "punk"، فيستحضر نوعًا من الجُنون الحالم. وتُقدّم المُمثّلتَين Zoë Kravitz و Regina King أداءً عاطفيًا عميقًا رغم محدوديّة ظهورهما.


وثمّة حضور مُميّز جدًّا، يخطف العديد من المَشاهد ويستحق التوقف عنده كثيرًا، هو الهر الظّريف "Bud" (اسمه الحقيقيّ Tonic) الذي يُضفي بُعدًا تأمّليًا على الفيلم، أكثر أحيانًا من الشخصيّات الرئيسيّة نفسها. شخصية الهرّ "Bud" لا تؤدّي دورًا هامشيًا كما قد يبدو في البداية، بل تُمثّل قلب الحبكة وأحد رموزها الأساسية. فـهو ليس مُجرَّد هرّ، بل ما يُعرّف بالـ "MacGuffin" (المُحفّز السّردي) الذي يُشعل سلسلة المُطاردات، وفي الوقت نفسه يُجسّد البراءة المُهدّدة وسط عالمٍ غارقٍ في الفوضى. ويكاد هانك وهو يلهث لحمايته، يحمي ما تبقّى من إنسانيّته الخاصّة. هنا ينجح الفيلم في تحويل حيوانٍ صامتٍ إلى مرآةٍ رمزيةٍ للبطل وللمُجتمع النيويوركي العنيف المُحيط به. لذا ذكّرني حضوره بشخصيّة الكلب "Snoop" في الفيلم الفرنسي الرّائع الذي تحلو مُشاهدته دومًا، "Anatomie d'une chute". كلاهما يُشاهد ويُراقب الجريمة بصمت، من دون أن يَفقد البراءة... بينما يزداد الإنسان عنفًا!


نيويورك كما لم تروها من قبل

يُحسب لفيلم "Caught Stealing" أنّ ذراعَيه الأقوى هُما التّصوير والمونتاج. بعدسة المُصوّر Matthew Libatique تُستعاد نيويورك التّسعينات بكل قذارتها وأبنيتها المُتصدّعة، عبر ألوانٍ داكنة وزوايا ضيّقة تنقل المُشاهد إلى قلب الفوضى. وبين البني الدّاكن والأخضر المُتّسخ، يقترب الفيلم من أجواء "Taxi Driver" و "Mean Streets"، لكن بنكهة أرونوفسكي الخاصة. كما تمَّ الاعتماد على الـ "Drone" بطريقة غير اعتياديّة، حيث مَكّنت ليباتيك من التقاط مشاهد علويّة لشوارع نيويورك وأزقّتها بطريقة تحبس الأنفاس، وتجعلك تتسمَّر لا إراديًا أمام المشهديّة! أمّا الهرّ "Bud"، فمُصوَّر غالبًا في لقطاتٍ ضيّقة، كأنّهُ محورٌ مركزي، يلتف حوله العنف والفوضى، ما يُضاعف من حضوره الرّمزي.


Andrew Weisblum يصوغ من جهته المونتاج بإيقاعٍ مُتسارعٍ، يُراوغ بين التّضييق البصري والفوضى المحسوبة، ليعكس ارتباك البطل وتخبُّط العالم المُحيط به. ويتَّبع ويسبلوم مُفارقاتٍ غريبةٍ، كالانتقال الفجائي من مشاهد عُنفٍ دموي إلى صورة الهرّ المُسترخي، ما يضخّ جرعة تهكميّة قويّة وصادمة. هذان العنصران يمنحان الفيلم متعة بصريّة، حتى عندما يترنّح السرد دراميًا، كما يُنقذان الفيلم من الانزلاق الكامل نحو العبث.


على المُستوى السَّمعي، ينجح المؤلّف Rob Simonsen في صياغة موسيقى تصويريّة مُتوتّرة تمزج بين الإيقاعات الإلكترونيّة المُتقطّعة والوتريّات المشدودة، تكشف هشاشة البطل وتُضاعف توتّر الأحداث. وإلى جانبها تتداخل أغنيات التّسعينات من Madonna وSpin Doctors مع صخب فرقة Idles، لتربط الفيلم بزمنه وتُغذّي عبثيّته.

هذا التّناوب بين النّوستالجيا والضجيج الغاضب يُرسّخ الكوميديا السوداء، ويجعل الموسيقى شريكًا أساسيًا في بناء الهويّة النغميّة للعمل.


عنف سريالي

من الواضح أنَّ المُخرج أرونوفسكي أراد صنع فيلم جديد خارج المألوف، يُعبّر عن نيويورك القذرة قبل أن تُلمّعها العولمة. لكنّه في سعيه للتّضخيم وللمُغالاة، بالغ في المزج بين الأنواع. وبدل أن يتولّد التوتّر الخلّاق، ضاعت البوصلة. كأنّنا أمام لوحة مُدهشة لكنها مرسومة بفرشٍ كثيرة، ألوانها تصرُخ لكنها لا تندمج. في المقابل، تظلّ قيمة الفيلم في تفاصيله الصغيرة، من ضحكةٍ ساخرة من شرطي فاسد، الى هرّ بريء يُطارَد كأنّهُ كنز، أو لحظة انهيار للبطل الأساسي وهو يواجه ماضيه. هذه اللّمسات هي التي تُعطي للفيلم حيويّته، لا الحبكة الكبرى التي بدت مُرتبكة ومُكرّرة. أراد أرونوفسكي أن يُمسك بكل الخيوط: النّوستالجيا، العنف، والكوميديا السوداء، لكنه انتهى بتركها تتشابك حتى تعقّدت. وحده الممثّل أوستن بتلر حاول أن يُنقذ ما يُمكن إنقاذه، إنما حتى حضوره لم يكفِ لترميم فيلم يفتقد الجوهر والاتّجاه.


لكن، وإن أحببت بعض أبعاد الفيلم أو اعتبرته مُفرطًا في العبث، فإنه بلا شك يُرسّخ مكانته كأحد أكثر الأعمال إثارةً للجدل التي شاهدتها هذا العام. وجدته يترك أثرًا بصريًا ووجدانيًا، حتى لو لم ينجح دائمًا في بلوغ العمق العاطفي. "Caught Stealing" هو احتفاء بالفوضى ذاتها، وصورة لمدينةٍ ولعصرٍ على حافة الانفجار!


شرارة الفيلم ما زالت مُشتعلة في كافة صالات السّينما اللّبنانيّة والعالميّة.