طوني عطية

"الطاشناق" بعد عبء "الممانعة": تجديد حزبي أم انقلاب هادئ؟

6 دقائق للقراءة
الجيل الشاب ضاغط قويّ يدفع قيادته لمراجعة جذرية

يُعدّ "الطاشناق" من أكثر الأحزاب انضباطًا وصرامةً. تتبدّل قيادته بهدوء عبر آليات انتخابية داخلية لا تثير الاهتمام الإعلامي أو الشارع اللبناني العام. إنه قوّة نافذة ومسيطرة داخل المجتمع الأرمني، وقوّة هادئة على مستوى السياسة الوطنية.


تاريخيًا، حافظ على علاقات متينة مع الدولة وموقع الرئاسة، وقد اتّبع نهجًا سياسيًا يفضّل الارتباط بالسلطة القائمة لضمان مصالح طائفته. قبل اندلاع "حرب الـ 75"، نسج تحالفات وثيقة مع حزب "الكتائب"، نظرًا للتقاطع في البيئة المسيحية والهمّ الوجودي المشترك، قبل أن يبتعد تدريجيًا مع تغيّر التوازنات.


أمّا في الحرب، فتبنّى سياسة "الحياد الحذر" تجاه الصراع بين المنظمات الفلسطينية المحتلّة المتحالفة مع الأحزاب اليسارية والإسلامية، والقوى المسيحية المُدافعة عن مجتمعها وشرعية الدولة. لكن مع تصاعد التوتّرات، برزت بعض الحوادث التي تسبّبت في توتر بين الفلسطينيين و "الطاشناق". إلّا أنّ الأخير حافظ على تواصله مع القيادات الفلسطينية، في محاولة لتفادي استهداف مناطقه أو جرّ الأرمن إلى الحرب، لا سيّما أنّ حساباته كانت تتخطّى "المنطقة الشرقية" آنذاك، نظرًا إلى انتشار الأرمن في أماكن واقعة تحت نفوذ فلسطيني – سوري مباشر، كعنجر، التي تُعدّ جغرافيًّا وعسكريًّا "لقمة سائغة" في فم حافظ الأسد.


إقليميًا، شكّل "الطاشناق" امتدادًا سياسيًا أرمنيًا بخلفية استراتيجية، عزّز حضوره من خلال علاقة متينة بالنظام السوري، عبر ما يُعرف بـ "الجناح الحلبي" للحزب، الذي تحوّل إلى همزة وصل بين القيادة الحزبية في لبنان والباب العالي في دمشق. أدّت هذه العلاقة إلى دور فعّال في تثبيت موقع "الطاشناق" داخل الخريطة السياسية المحليّة.


هذا الامتداد الخارجيّ، عزّز دوره كلاعب سياسي يُحسِن التموضع ويجيد قراءة موازين القوى. في المقابل، أثار تحالفه مع "النظام الأسدي"، انتقادات الشارع المسيحي المناهض والمُقاوم للاحتلال البعثي الذي أمعن في اعتقال ونفي واغتيال القيادات المسيحية واللبنانية السياديّة.


ومنذ العام 2005، انضوى "الطاشناق" إلى قوى "8 آذار" إلى جانب "التيّار الوطنيّ الحر" و "حزب اللّه"، وتُرجم هذا التحالف في قضايا مشتركة مثل الموقف الداعم لـ "المقاومة"، وانتخابات رئاسة الجمهورية، وتشكيل الحكومات والانتخابات النيابية.


لكنّ سقوط نظام بشار الأسد وهزيمة "حزب اللّه" عسكريًّا، شكّلا تحوّلًا إقليميًا كبيرًا، يفرض على "الطاشناق" إعادة النظر بتموضعه السياسي. فالحزب، الذي لطالما نسج علاقاته وفق ميزان القوى الإقليمي، بات اليوم أمام ضرورة، إمّا البحث عن تحالفات جديدة أو تمتين علاقاته مع القوى السيادية، التي لم تنقطع يومًا، وإن بقيت بعيدة من الإعلام. في موازاة ذلك، يتماهى المزاج الشعبي الأرمني في لبنان بالفطرة مع قيم الحداثة والانفتاح والتفاعل مع العالم الغربي، وهو بعيد بتكوينه الثقافي والحضاري من مناخ "الممانعة" وأدبياتها وشعاراتها، ما يعزز الحاجة لإعادة النظر بخيارات الحزب بما يواكب طبيعة قاعدته وتطلّعاتها.


استطرادًا، تجدر الإشارة إلى أن "الطاشناق" هو حزب يميني، يرتكز في هويّته وعقيدته السياسية على حماية الوجود الأرمني وصون ذاكرته التاريخية والدفاع عن قضاياه المصيرية. وهذا التوجّه يفرض عليه، أن يكون منسجمًا مع الخطاب السيادي والاستقلالي، الرافض لأي وصاية خارجية على القرار اللبناني، سواء أتت من إيران أو من أي محور يتجاوز مفهوم الدولة ومؤسساتها.


في الإطار، يلفت مصدر أرمني مطّلع على كواليس السياسة الأرمنية، إلى أن المتغيّرات الإقليمية، خصوصًا في سوريا، لها ارتدادات مزدوجة:


صحيح أنّ الحزب خسر حليفًا إقليميًا تقليديًا بُنيت العلاقة معه على حسابات الجغرافيا والتداخل الأرمني العابر للحدود، لكن في المقابل، تَحرَّر من عبء ثقيل ظلّ يقيّده لسنوات. فالتحالف مع النظام السوري ومن ثمّ "حزب اللّه" كان بالنسبة إليه نعمة ونقمة: نعمة لما وفّره من حماية وانتشار سياسي، ونقمة لما فرضه من التزامات مكلفة سياسيًا واجتماعيًّا داخل البيئة الأرمنية. في السنوات الأخيرة، شهدت مناطق ذات ثقل أرمني مثل برج حمود، حالة من الامتعاض المتصاعد من العلاقة مع "حزب اللّه"، والتي يعتبرها كثيرون من الأرمن، خروجًا عن سياسة الحزب التاريخية التي اتّسمت بالحياد النسبي والحذر في الاصطفافات الحادّة.


وما زاد الطين بلّة، أنّ الاستياء الأرمني، لم يأتِ فقط من التحالف السياسي بين "الطاشناق" و "الحزب"، بل أيضًا من التمدّد الشيعي في برج حمود ومحيطها، الذي بدأ يغيّر تدريجيًا طبيعة المنطقة ومعالمها السكانية والديموغرافية. فقد سُجّلت حوادث عدّة بين شبّان أرمن وآخرين محسوبين على "حزب اللّه"، اتّخذت في بعض الأحيان طابعًا استفزازيًا مذهبيًّا.


إلى ذلك، يتحدّث الشارع الأرمني عن سياسة "قضم ناعم" اعتمدها حزب ولاية الفقيه، من خلال شراء تدريجيّ ومدروس للعقارات، ما أثار مخاوف من تغيير هوية برج حمود. وقد وُجّهت انتقادات لاذعة إلى بلديتها وبعض مسؤوليها المقرّبين من "الطاشناق" بالتغاضي عن هذه العمليات، بل وتسهيلها أحيانًا، في ظلّ تداول أقاويل عن تضخّم ثروات بعضهم.


أما العامل الضاغط الآخر داخليًا، فهو تصاعد نقمة الشباب الأرمني على سياسات "الطاشناق" في الآونة الأخيرة. هذا الجيل، الليبرالي والنابض بالحيوية، يرى نفسه متماهيًا تلقائيًّا مع نموذج لبنان المنفتح، المؤيّد للاستقرار والسلام، والرافض للحروب والمحاور، والناقد لخطاب "حزب اللّه". وبهذا المعنى، يشكّل هذا الشباب، قوّة ضغط فعلية، تضع الحزب أمام مراجعة عميقة وجذرية لمساره السياسي وتحالفاته.


لذلك، رأى المصدر الأرمني المطّلع، أن القيادة الجديدة لـ "الطاشناق"، التي أُفرزت عن المؤتمر الأخير للحزب في تموز الفائت، جاءت استجابة للتحوّلات السياسيّة المتسارعة. فالأمين العام السابق، هاغوب بقرادونيان (الذي أصبح عضوًا في اللجنة العالمية الجديدة للطاشناق)، يُمثّل مرحلة انتهى زمنها ولم تعد تتلاءم مع الواقع المستجدّ داخل الساحة الأرمنية - اللبنانية. أما الأمين العام الجديد، ألبير بالابانيان، فرغم انتمائه إلى "الطقم التقليدي"، إلّا أنّ اختياره يُعدّ بمثابة تسوية داخلية بين الحرس القديم ومطالب التجديد، تُشبه إلى حدّ ما "انقلابًا هادئًا"، على حدّ قوله.


وختم المصدر بالإشارة إلى أن هذه التحوّلات قد تُحدث تبدّلًا فعليًا في توجّهات "الطاشناق" وتحالفاته الانتخابية المقبلة، خصوصًا في ظل تحسّن العلاقة بين أرمن سوريا ودمشق الجديدة، وعودة عدد من الذين لجأوا إلى لبنان، إلى حلب على سبيل المثال، لاستعادة دورهم الاقتصادي الفاعل ومهاراتهم العالية. وعليه، فإن قيادة الحزب تدرس بعناية الخيارات المتاحة، إذ لم يعد الالتزام بالتحالفات القديمة محسومًا كما في السابق، وما كان يصلح في الأمس، قد لا يكون الخيار الأنسب للغد.