يُصادف يوم الإثنين المقبل ذكرى مرور 9 أشهر على دخول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى دمشق، وقد فاجأ الكثيرين خلال تلك الفترة ببراغماتيّته في التعاطي مع الدول الأجنبية والعربية المتوجّسة من تولّي تنظيمات جهادية الحكم في سوريا، إذ استطاع من خلال جهود دبلوماسية نشطة يقودها وزير الخارجية أسعد الشيباني أن يحقق الكثير من الاختراقات والإنجازات على مستوى علاقات سوريا الخارجية، خصوصًا عبر طمأنة العرب والغرب أنه لا يسعى إلى أن تكون سوريا ملاذًا ومنطلقًا لتنظيمات إرهابية، فضلًا عن تركيزه على استقطاب الاستثمارات الخارجية من أجل إعادة بناء ما تهدّم خلال الحرب الأهلية، غير أنه لم يتمكّن من إظهار البراغماتية والدبلوماسية والليونة عينها في تعاطيه مع الأقليات في الداخل.
شكّلت المجازر الطائفية التي تعرّض لها العلويون في الساحل والدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء على يد قوات دمشق، الأحداث الأكثر تعبيرًا عن التصوّر الذي يحمله حكّام سوريا الجدد، وهو ببساطة إمّا خضوع الأقليات العرقية والدينية في البلاد لحكم مركزي سني عربي ذات طابع إسلامي يجعل منهم مواطنين درجة ثانية ويقمع حرّياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية، وإمّا تُرسل دمشق إلى مناطق الأقليات المعترضة جحافل من المقاتلين الجهاديين بلباس رسمي وتطعّمُهم بمقاتلي العشائر العربية السنية كي تتنصّل من المجازر الطائفية والتطهير العرقي، عبر إلقاء اللوم تارة على العشائر وطورًا على "عناصر غير منضبطة".
لم تكن المجازر بحق العلويين والدروز أحداثًا استثنائية أو عرضية، بل تأتي كنتيجة لسياسة عامة تنتهجها دمشق وتقضي بمحاولة إعادة إحياء النظام المركزي الذي حكم سوريا منذ نشأتها، بكافة الوسائل المتاحة، رغم ثبوت فشله مرارًا وتكرارًا في إدارة التنوّع العرقي والديني والثقافي في البلاد، إذ لطالما شكّلت الدولة المركزية في دمشق أداة قمع يستخدمها المكوّن الذي يسيطر عليها بهدف فرض سياساته وتصوّراته وثقافته على المكوّنات الأخرى، ما يُفسّر مطالبة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بالفدرالية ورفضها تذويب ذراعها العسكري "قسد" في الجيش "العربي" السوري وتسليم المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى دمشق. كما أن تشكيل نخب علوية لـ "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا" للمطالبة بالفدرالية، خطوة تشي بمراجعة تجرى لدى العلويين الذين سيطروا على الدولة المركزية في دمشق لعقود طويلة.
أمّا دروز السويداء، المدعومون من إخوانهم دروز إسرائيل، فإنهم ذهبوا أبعد من الكرد والعلويين، إذ يطالبون بواسطة زعيمهم الروحي الشيخ حكمت الهجري بحق تقرير المصير والاستقلال التام عن سوريا، فيما شكّلوا جيشًا موحّدًا كمظلّة جامعة للفصائل العديدة الموجودة في المحافظة باسم "الحرس الوطني"، معتبرين أنه لا يُمكن التعايش مع من ارتكب بحقهم هذا الكمّ من المجازر المروّعة. وحدّد الزعيم الروحي لدروز إسرائيل الشيخ موفق طريف خلال لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمبعوث الأميركي توم برّاك، مطالب دروز السويداء، وأبرزها إنشاء ممرّ إنساني لإيصال المساعدات إلى السويداء بضمانة أميركية أو دولية، قد ينطلق من قاعدة التنف الأميركية الواقعة على المثلث الحدودي السوري - الأردني - العراقي أو من إسرائيل، وإعلان الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح.
تحظى الأقليات في سوريا بفرص متفاوتة لتحقيق أهدافها. يتمتع الكرد بالوضعية الأفضل نسبة لقوّة جيشهم، وصلابة مؤسّساتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والدعم الأميركي الذي لم ينقطع عنهم رغم الليونة الكبيرة التي تعاملت بها إدارة ترامب مع الشرع، نظرًا إلى استمرار "قسد" بمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي بفعالية حتى اليوم، فضلًا عن الموارد الطبيعية المهمّة في الأراضي التي يسيطر عليها الكرد. كذلك، يشكّل الدعم الإسرائيلي لدروز السويداء عاملًا مسهّلًا لترجمة طموحات الدروز التحرّرية إلى واقع ملموس، فقد تمكّنوا من طرد قوات دمشق من معظم المحافظة، فضلًا عن بداية تشكيلهم مؤسّسات سياسية وعسكرية لحماية السويداء وحكمها، ما يعكس وحدة غالبية دروز المحافظة حول مطلبهم بالانفصال عن دمشق.
أمّا العلويون، فإن النكبات المتلاحقة التي لحقت بهم على يد قوات دمشق منذ سقوط الأسد وافتقارهم لراع خارجي، جعل من احتمال وصولهم إلى الفدرالية المنشودة مهمّة صعبة، إلّا أنهم يحاولون تحسين وضعيّتهم عبر التعاون مع الأقليات الأخرى، إذ حضرت قيادات دينية علوية ودرزية مؤتمرًا ضخمًا نظمه "مسد" في الحسكة الشهر الماضي للمطالبة باعتماد نظام لامركزي للبلاد يحترم تعدديتها. كما أن تشكيل "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا" يمنح العلويين إطارًا سياسيًا غير مرتبط بقيادات وشخصيات من النظام السابق.
في الغضون، يبقى المسيحيون الأقلية التي تمتلك الوضعية الأكثر هشاشة، فقد نزفوا ديموغرافيًا في سوريا على مدى عقود، خصوصًا منذ بداية الحرب الأهلية وصعود نجم التنظيمات الجهادية. وينتشر المسيحيون في مناطق ومحافظات عدّة من دون أن يشكّلوا غالبية واضحة في منطقة أو محافظة معيّنة، كما أنهم يفتقرون لداعم دولي، ما يُعقد إمكانية نيلهم إقليمًا قابلًا للحياة ضمن اتحاد فدرالي أو كونفدرالي يقيهم شرّ الإسلاميين الذين لم يتردّدوا في استهدافهم في الساحل والسويداء أثناء المجازر، بالإضافة إلى تعرّض أحياء وقرى مسيحية إلى ممارسات ترهيبية مثل تسيير "سيارات دعوية" فيها لحض سكانها على تغيير دينهم، أو لصق مناشير تهديدية على أبواب الكنائس، في حين لم تلتئم بعد جراح ذوي ضحايا التفجير الإرهابي الذي أدمى كنيسة مار الياس في دمشق. بناء على ذلك، يتعيّن على المسيحيين أن يتعاونوا بأكبر قدر ممكن مع الدروز والكرد والعلويين والسنة المعتدلين، إضافة إلى ضرورة عملهم على بلورة إطار سياسي يمثلهم ويحمل مطالبهم إلى القوى المؤثرة.
تبرّأ الشرع أمام وفد من الصحافيين العرب أخيرًا من الأيديولوجيات الإسلامية والقومية، كما أبدى استعداده للبحث مع الكرد والدروز في أي شيء سوى الانفصال، غير أنه رفض خلال الجلسة عينها فكرة الفدرالية، متحدّثًا عن اللامركزية الإدارية كبديل، الأمر الذي لا يُعالج بأي شكل من الأشكال مخاوف الأقليات وهواجسها، كون اللامركزية الإدارية لا تمنح المكوّنات الصلاحيات الكافية لإدارة شؤونها وفق خصوصيّاتها، ويبقى بموجبها مركز السلطة والقرار الرئيسي في دمشق.
رغم تعنّت دمشق الواضح في تمسّكها بالنظام المركزي بسبب الخلفية الإسلامية لحكّامها من جهة، وبسبب رفض راعيتها أنقرة المطلق للفدرالية في سوريا خوفًا من تشجيع كرد تركيا على المطالبة بالفدرالية أيضًا من جهة أخرى، يبقى أن واشنطن، التي تمتلك الكثير من أوراق الضغط على دمشق، ترى أن إعادة إحياء النظام المركزي في سوريا مهمّة مستحيلة، لذا أكد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام خلال زيارته إلى المنطقة أخيرًا أن أميركا تدعم فكرة "سوريا واحدة ضمن نظام فدرالي". أمّا برّاك، الذي يُعتبر أكثر المتحمّسين والمشجّعين للنظام الجديد في دمشق، فتحدّث أخيرًا عن ضرورة إيجاد صيغة حكم أقلّ مركزية من أجل الحفاظ على وحدة سوريا.
إذا أراد الشرع تحقيق رؤيته الاقتصادية والتنموية للبلاد، سيتعيّن عليه أن يؤمّن الاستقرار أوّلًا، الأمر الذي يتطلّب التوافق مع المكوّنات السورية الأخرى على صيغة حكم لامركزية تحترم خصوصية الجماعات العرقية والدينية المختلفة وتسمح لها بإدارة شؤونها من دون التعرّض لمحاولات "انصهارية" قسرية غالبًا ما تتخذ أشكالًا دموية. ولكن يبقى السؤال، هل يستطيع الشرع إظهار البراغماتية والمرونة التي انتهجها في علاقاته الخارجية، مع الأقليات في سوريا، رغم خلفيّته العقائدية والضغوط التركية؟ الإجابة عن ذلك قد تكون مؤجّلة، غير أن النتيجة المتوقعة لاستمرار الشرع في النهج عينه واضحة، وهي اقتتال أهلي متنقل في البلاد، ما يضرّ بعلاقات دمشق الخارجية، خصوصًا مع الغرب، فضلًا عن أن ذلك يفتح المجال لشتى التدخلات الإقليمية والدولية في سوريا، الأمر الذي يعدم فرص خلق بيئة قابلة للاستثمار ويعيق النهضة المنشودة.