المحامي محمد آصف ناصر

محنة المواطنة

4 دقائق للقراءة

الفصل الأول: العلوي والسلاح


في ليل 8 كانون الأول 2024، شاهد العالم سقوط نظام البعث الأخير بمشهد سوريالي يكاد يكون الأكثر وضوحًا وتعبيرًا عن خواء مفاهيم الصمود والتحدي في دول العالم الثالث.


جاء مشهد السلاح المحترق إثر القصف الإسرائيلي ليجسِّد احتراق مفاهيم وتضحيات أتباع الفكر القومي، وليؤكد انتفاء معنى السلاح دون إرادة الإنسان.


مع وفاة حافظ الأسد وبعده إعدام صدام حسين بدأت النهاية، كان العرض العسكري الذي قدمه حزب الله في القرداحة في أعقاب جنازة حافظ الأسد بمثابة عنوان مرحلة أغلق فيها سجل القومية العربية لصالح مشروع الإسلام السياسي الأعجمي.

الإسلام السياسي، شأنه شأن أي عقيدة سياسية دينية، يتأسس على مفهوم الحق الإلهي وقدسية النظم السياسية التي يتبناها، وهو بحكم تكوينه يعادي مفهوم المواطنة وينسلخ عن قواعد التقنين الوضعي، فالقوانين الوضعية وميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الانسان بنظرهم بدعة وضلال، ولا يتبنونها إلا تقية، فلا يعتمدونها إلا من قبيل إلقاء الحجة ومناضلة العدو، والعدو في مفهوم جماعة الحق الإلهي هو كل من لا يتبع ملتهم، فالدنيا بالنسبة إليهم إما دار إسلام أو دار حرب.


في هذا الأتون يقف العلوي منفصمًا عن مفاهيم الحق الإلهي السلطوي، مؤمنًا بفصل الدين عن الدولة كما جاء في صحيفة المدينة التي نصها النبي محمد (ص).


فالسلطة الشرعية عند العلوي تتأسس على مفهوم الدولة المدنية، أما الشأن الديني فهو مسألة روحانية محضة لا يجوز تلويثها بالمصالح السياسية.


هذا المنهج اتبعه العلوي في الدولة الحمدانية وفي دولة بني عمار ودولة بني بويه، وكان سبب دفاع قوات صافيتا العلوية عن السلطنة العثمانية في مواجهة الغزو المصري في العام 1840وتحريرهم مدينة طرابلس، وسبب انضمام العلوي إلى مؤسسات الدولة والأحزاب العلمانية وابتعاده عن الأحزاب الدينية في لبنان وسوريا في القرن العشرين، فكان اعتناق العلويين المواطنة ومنطق الدولة سبب صبرهم على التهميش والإقصاء والفقر في زمن نظام البعث في سوريا.


هذه المنهجية عبَّرت عنها المرجعيات الروحية العلوية في اجتماع الشيخ بدر في 9 كانون الأول 2024 حين أعلن العلويون على لسان مرجعياتهم الدينية نقاطًا ثلاث: 1)وحدة سوريا، 2)رفض السلاح غير الشرعي والتمسك بسلطان القانون، 3)المصالحة الاجتماعية.

قوبل هذا الطرح بـــــــ "عوّي ولاك"، والتنكيل و"الأحداث الفردية" ولاحقا مجازر ارتكبت في الدعتور، وعين شمس وغيرها، وصولا إلى جرائم الإبادة الجماعية في الساحل في 6 آذار 2025، جرائم مستمرة استفاد منها اعلام حزب الله ليروج لمقولة: "تريدوننا أن نسلم سلاحنا لنلقى مصير العلويين؟" واستثمروا بأبشع الطرق بالدم العلوي ليحصدوا من ذلك مخاوف والتفاف بيئتهم الحاضنة.

وفيما التزم العلوي في لبنان وسوريا منطق الشرعية وآلية العمل السياسي رغم الظلم والتنكيل والمجازر، رفض المكتب السياسي في حزب الله الاعتراف بالسيادة اللبنانية عبر إخضاع السلاح لمشروعية الدولة، وعمل على ابتكار وسائل للتملص من الالتزامات الدولية فيما كان باب حماية السلاح الوحيد هو شرعنة هذا السلاح بإخضاعه لقرار السلطة الدستورية في البلاد. محاولات التملص هذه من حماية السلاح عبر شرعنته، أفضت إلى سقوط إمكانية الشرعنة وحتمية الإذعان.


فالمواطنة لا تبنى بدون عقد اجتماعي، والعقد الاجتماعي يتأسس على سلطان القانون ومفهوم الشرعية، وأي تخطٍ لمفاهيم الشرعية يناقض المواطنة، والشرعية تتم ممارستها ضمن الأطر الدستورية التي تحكم النظام السياسي في الدولة، وفي هذا السياق لا يمكن بناء دولة ما لم يبسط سلطان شرعيتها على كافة مفاصلها، وأول فرع من هذا السلطان هو مفهوم القوة الجبرية وخضوع هذه القوة لمعايير القانون، فانفلات السلاح خارج الاطار الشرعي يفضي إلى تهتك بنية الدولة المدنية وسقوط سلطانها، وبالتالي سقوط المواطنة وسقوط حق الانسان بالحياة الكريمة العزيزة.


فلا مواطنة بلا سيادة، ولا سيادة دون شرعية، ولا شرعية مع سلاح خارج على منطق القانون والمؤسسات الدستورية.