شادي معلوف

"اليونسكو" بين "سكّة الحديد" و "التياترو الكبير"

4 دقائق للقراءة
"التياترو الكبير" في وسط بيروت

في إطار زيارة المديرة العامة لمنظّمة "اليونسكو" أودري أزولاي، لبنان، لمتابعة الأنشطة الثقافيّة والتربويّة التي تقوم بها المنظّمة الأمميّة وتدعمها في بيروت والمناطق، محطّتان مهمّتان مرتبطتان بالإرث الثقافي والفني والتاريخي في بيروت، على جدول أعمالها صباح اليوم الخميس.


الأولى في محلّة مار مخايل - بيروت، حيث تضع حجر الأساس لإعادة تأهيل محطّة سكّة الحديد هناك، بحضور وزيرَي الثقافة غسان سلامة والأشغال والنقل فايز رسامني وممثّل عن السفارة الإيطاليّة في لبنان.


أما المحطّة الثانية فللإعلان عن خطوة طال انتظارها وما فتئ أهل الفن والثقافة يطالبون بها منذ انتهاء الحرب اللبنانيّة أوائل التسعينات وإعادة إعمار وسط العاصمة، وهي إعادة ترميم "التياترو الكبير". ولهذه الغاية تزور أزولاي مبنى "التياترو الكبير" للإعلان عن إطلاق مشروع الترميم الذي ستشترك فيه "الأونيسكو" مع إمارة الشارقة في الإمارات العربيّة المتّحدة ووزارة الثقافة في لبنان وبلديّة بيروت.



مليون دولار أولًا

وعلمت "نداء الوطن" في هذا الإطار أنه سيتمّ خلال الزيارة الإعلان عن انطلاق المرحلة الأولى من المشروع والتي ستشهد إجراء تقييم للوضع الحالي للمبنى الذي يضمّ المسرح التاريخي، قبل الانتقال إلى المراحل التالية من المشروع. وخُصص لهذه المرحلة التي تشمل التقييم والمعاينات والدراسات المرتبطة بها، مبلغ مليون دولار أميركي.



مسرح رائد

وإلى القيمة التاريخيّة والمعماريّة لمبنى "التياترو الكبير" القائم بين "ساحة رياض الصلح" و "مبنى اللعازاريه" في وسط بيروت، ثمة قيمة ثقافيّة له، إذ صار الـ "Grand Theatre" منذ ثلاثينات القرن الماضي أحد أفخم دور العرض المسرحي في بيروت، وقد استضاف فرقاً محلّية وعربيّة وعالميّة، بينها كبار المسرحيّين المصرييّن الرواد أمثال يوسف وهبي وفاطمة رشدي ونجيب الريحاني وجورج أبيض وأمينة رزق وسواهم. كما أقيمت فيه حفلات موسيقيّة وغنائيّة كبرى وعروض مسرحيّة لرواد المسرح اللبناني وفرقه الأولى، كما لفرق فنّية أجنبيّة.


وكان "التياترو الكبير" بُني أواخر العشرينات بمبادرة من جاك تابت أحد الأثرياء المثقّفين آنذاك، وتولّى المهندس يوسف أفتيموس التصميم والإشراف على البناء. وتميّز المبنى ذو الطبقات الثلاث التي ضمّت المسرح ومنتفعاته، بقبّة تعلو الطبقة الأخيرة كانت تُفتح وتُغلق بواسطة الكهرباء بهدف التهوئة، وبهندسته وقناطره ونقوشه، فضلًا عن تجهيزاته التقنيّة التي كانت تضاهي التقنيّات المتّبعة في ذلك الحين في كبريات المسارح ودُور الأوبرا الأوروبيّة. علمًا أن قاعة المسرح فيه كانت مبنيّة وفق مواصفات تسمح ببلوغ الصوت مختلف جوانبها، ليصل إلى المشاهدين من دون الحاجة إلى مكبّرات الصوت.



سينما وأفلام

لاحقًا تحوّل "التياترو الكبير" إلى صالة سينما، وقد شهد عروض أفلام أجنبيّة شهيرة بحضور نجومها أحيانًا من عرب وأجانب، كذلك عُرضت فيه الأفلام المصريّة الأولى منذ زمن الأفلام غير الناطقة، إلى أن تمّ تجهيزه بوسائل تقنيّة تسمح ببث الأفلام الناطقة للجمهور، بينما لم تكن صالات السينما في بيروت آنذاك مجهّزة بتلك الوسائل بعد، ما اعتُبر حدثًا استثنائيًا في ذلك الحين.


مع التقادم وافتتاح مسارح ودور سينما أحدث في بيروت والمناطق، تراجع حضور الـ "Grand Theatre" في أوساط السينمائيّين والمسرحيّين والجمهور على السواء، كما تراجعت نوعيّة الأعمال التي تقدَّم على خشبته أو شاشته، إلى أن حلّت حرب العام 1975 فقضت على واحد من معالم الثقافة والفنون في العاصمة اللبنانيّة. ومع إعادة إعمار وسط بيروت، رُمّم مبنى "التياترو" من الخارج فقط لكنّ الحياة لم تعد إليه رُغم ما كان يُحكى بين حين وآخر عن مشاريع في هذا الشأن، على أمل أن تبلغ مبادرة "اليونيسكو" وشركائها التي سيُعلن عنها اليوم، الخواتيم السعيدة في وقت قريب.