فادي كيروز

"لبنان الكبير"... إعادة تكريس لحقيقة تاريخية

3 دقائق للقراءة

كتب الباحث والمؤرخ في تاريخ لبنان والمسيحيين فادي كيروز:

عندما طالب الطوباوي البطريرك الياس الحويك بلبنان الكبير، طالب أولاً بحدود لبنان التوراتية المنصوص عليها في الكتاب المقدس (العهد القديم)، أي من مداخل حماة حتى كامل جبل حرمون.

رفض الفرنسيون ذلك، وكانت حجتهم أن هذه الحدود ستحرم الدولة المجاورة الناشئة (التي ستصبح لاحقاً سوريا) من منفذ على البحر، وأيضاً من مصدر هام للمياه من ناحية السفح الشرقي لجبل حرمون، مما سيتسبب لدولة لبنان المفترضة بنزاعات وحروب مستقبلية مع جيرانها.

لذلك استقر الأمر على الحدود الحالية للبنان مع تقسيم جبل حرمون إلى قسمين: السفح الغربي للبنان، والسفح الشرقي لسوريا.

وبما أن لحرمون ثلاث قمم، تقرر أن تكون نقطة الحدود على القمة الأعلى. لاحقاً، سأل الفرنسيون البطريرك عن النظام السياسي المقترح لهذه الدولة الناشئة، ولم يكن البطريرك ملماً بهذه الأمور، فمهمته ورسالته بالمطلق كانت إعادة إحياء لبنان التاريخي، أما الأمور السياسية فتركها للسياسيين والإقطاعيين حينها، إضافة إلى بعض الإكليروس المهتم بالجانب السياسي.

في السنوات الست الأولى، لم يتوصل هؤلاء لتصور النظام الأمثل للبنان لقلة خبرتهم في الأنظمة الحديثة، ولانعدام رؤيتهم المستقبلية. عندها أرسل الفرنسيون مفوضاً سامياً وهو "هنري دو جوفنيل" لمساعدتهم على اختيار النظام الأمثل للبنان. اقترح "دو جوفنيل" النظام الكونفدرالي نظراً لكون المجتمع اللبناني مجتمعاً تعددياً ومركباً. وكان المسيحيون حينها يشكلون أغلبية السكان، ويملكون معظم الأراضي.

لكن الإقطاعيين المسيحيين، وكذلك بعض الإكليروس، رفضوا النظام الكونفدرالي، وكانت حجتهم هي خوفهم من انفصال بعض الكانتونات المنضمة حديثاً وانضمامها لاحقاً إلى سوريا، لأن معظم أملاكهم كانت ضمن هذه الأقضية المنضمة حديثاً، علماً أن غالبية سكان تلك الكانتونات كانت من المسيحيين. فاستقر الأمر في النهاية على اعتماد نموذج دستور الجمهورية الفرنسية في لبنان؛ أي اعتماد نموذج دستور دولة مركزية فيها شعب واحد (أي فرنسا) على دولة تعددية فيها عدة شعوب اسمها لبنان، ولكل شعب من شعوبها هويته الخاصة العميقة.وهنا كانت الخطيئة الأصلية: دستور مركزي لدولة تعددية! لم يصلح القادة السياسيون المسيحيون اللاحقون هذا الأمر، بل على العكس، أمعنوا في محاولة ترسيخ مفهوم الانصهار الوطني القهري.

فكانت النتيجة أن 90 بالمئة من مجمل عمر لبنان الكبير حروب ومجازر واضطرابات وتهجير وعدم استقرار سياسي، أسفر عن تراجع المسيحيين ديموغرافياً وجغرافياً بشكل دراماتيكي كارثي. والأمور تُقاس بنتائجها.

والآن، يعتبر الكثيرون أن لبنان الكبير كان خطأ تاريخياً، أما الواقع والحقيقة فهي أن لبنان الكبير الذي أُنشِئ عام 1920 لم يكن خطأ، إنما إعادة تكريس لحقيقة تاريخية. أما الخطأ والخطيئة فكانت دستور 1926، الذي ما زالت روحيته وصيغته مستمرتين حتى الآن، بالرغم من بعض التعديلات والتحديثات التي طالت الشكل ولم تطل المضمون. و"من جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً"... و"من ثمارهم تعرفونهم".

ويقول الدكتور شارل مالك والدكتور فؤاد أفرام البستاني إنَّ كلَّ حروب الشرق ونزاعاته هي في جوهرها دينية وستبقى كذلك حتى نهاية الأزمنة، أو إلى حين الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية، وإعادة تشكيل الشرق على هذا الأساس، مع احترام الهوية العميقة لكلّ من هذه الشعوب. الانقسام في لبنان لا يمكن نكرانه وفصله عن الانقسام في المشرق. هذه هي الحقيقة الكاملة للتاريخ.