الدكتور سايد حرقص

حزب الله: بين فشل "حرب الإسناد" وانكشاف لعبة المساومات

5 دقائق للقراءة

​لم تكن "حرب الإسناد" سوى محطة إضافية في مسار التوظيف الإقليمي لسلاح حزب الله. فبدلًا من أن ينجح هذا السلاح في فرض توازن ردع مع إسرائيل أو حماية لبنان من الاعتداءات، تحوّل اليوم إلى ذريعة جاهزة استغلتها تل أبيب لتوسيع عدوانها وفرض هيمنتها وتعميق ضرباتها داخل الأراضي اللبنانية، حتى بات مقاتلو حزب الله مجرد أهداف سهلة في لعبة صيد قاتلة. بدا المشهد اليوم وكأن لبنان أصبح مجرد ساحة ترسل فيها إسرائيل رسائل التهديد لإيران، فيما الشعب اللبناني هو الخاسر الأكبر.


​الأحداث الأخيرة كشفت أيضًا حدود الموقف الإيراني، خصوصًا بعد المواجهات المباشرة بين طهران وتل أبيب. فسلاح حزب الله لم يعد أكثر من ورقة تفاوضية صغيرة تستخدمها إيران لتحسين شروطها مع الولايات المتحدة. وبذلك سقطت الشعارات الكبرى عن "المقاومة" و"التحرير"، ليتحوّل الحزب ومقاتلوه إلى مجرد ورقة صغيرة في لعبة إقليمية كبرى لا مصلحة للبنان فيها.


​أما من جهة أمريكا، فقد أتت زيارة المبعوث الأمريكي توم براك لتُظهِر، بعكس التوقعات، أن الولايات المتحدة ليست حكمًا نزيهًا في النزاع بين لبنان وإسرائيل، رغم أنها صاحبة "الورقة الأمريكية" التي حددت إطار الحل. فرغم تجاوب الحكومة اللبنانية الأولي مع هذه الورقة، تبيّن أن واشنطن غير مستعدة للضغط على إسرائيل للالتزام بانسحابها، بل تطالب لبنان بتنفيذ التزاماته من جانب واحد، سواء في ملف الحدود أو الترتيبات الأمنية. وهذا الواقع يضع الحكومة اللبنانية أمام حقول ألغام داخلية مهددة بالانفجار في أي لحظة.


​صحيح أن هذا المشهد قد يشدّ العصب الطائفي ويمنح حزب الله دعمًا عاطفيًا في بيئته، لكن هذه القوة الوهمية لا تنتج سوى مزيد من الخسائر والدمار. إذ تدفع هذه البيئة نحو حريق مدمر أكبر تحضّر له إسرائيل بتحويل الجنوب إلى "غزة ثانية"، خصوصًا مع تزايد الحديث الأمريكي والإعلامي عن مشاريع اقتصادية على الحدود الجنوبية، في مشهد يذكّر بالمخططات التي سبقت مأساة غزة. فإلى متى ستستمر قيادة حزب الله بلعب دور الهر الغبي، وتلعب إيران دور القرد الذكي في حكاية لافونتين؟ هذه الحكاية التي تتحدث عن قرد ذكي أراد الحصول على كستناء مشوية في النار، فأقنع قطًا غبيًا أن يسحبها بمخالبه، فاحترق القط بينما أكل القرد الكستناء بسلام.


​إزاء هذا الواقع المزدوج: استغلال إيراني من جهة، وضغوط أمريكية/إسرائيلية من جهة أخرى، يبرز السؤال البديهي: أليس المطلوب اليوم وعيًا لبنانيًا عامًا يعيد إلى الأذهان الروح التضامنية التي تجلّت خلال نزوح أهل الجنوب عامي 2006 و2024؟ حينها احتضن اللبنانيون بعضهم البعض عفويًا بعيدًا عن أي أجندات سياسية.


​من هنا، فإن المدخل الطبيعي لإنقاذ لبنان يبدأ بتنقية الذاكرة من الأكاذيب والتزوير الذي اعتمده النظام السوري وأجهزته الأمنية بالتنسيق مع حلفائه، وشارك في صياغته الرئيس السابق ميشال عون، ويستكمله اليوم إعلام حزب الله. وعلى سبيل المثال لا الحصر، من حق اللبنانيين أن يتذكّروا الحقائق التالية:


- ​أن الجيش اللبناني كان حاضرًا بقوة في حرب 1948، وواجه إسرائيل ودفع شهداء في معارك ضاربة، سواء سنة 1948 أو في معارك العرقوب سنة 1972، بالرغم من أن اتفاقية القاهرة المشؤومة بعد 1969 قيّدت دوره.

- ​أن الدولة اللبنانية، قبل الحرب المشؤومة سنة 1975، كانت تعمل على إبقاء الجنوبيين في أرضهم، وما مشروع شراء التبغ من أهل الجنوب كمساهمة اجتماعية-اقتصادية إلا أحد أوجه الصمود.

- ​أن رئيس الحكومة القاضي نواف سلام هو في الأساس قاضٍ دولي واجه إسرائيل في محكمة لاهاي، ووقف في وجه ضغوط هائلة دفاعًا عن لبنان.

- ​أن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون يخشى على عناصر حزب الله كما يخشى على أي لبناني، ويبحث باستمرار عن مخارج وطنية تحفظ الجميع.

- ​أن رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، خلافًا للدعاية السوداء لنظام الأسد، هو من أقفل مركز الارتباط مع إسرائيل، وقطع علاقة "القوات" بها، وفتح أبواب العلاقات مع الدول العربية، ودفع ثمن ذلك أحد عشر عامًا في الاعتقال.

- ​أن جميع اللبنانيين، وحتى خصوم حزب الله، احتضنوا النازحين الجنوبيين بمحبة وصدق، وكانت دير الأحمر ذات اللون القواتي الفاقع المثل والمثال.


​من هنا، فإن واجب اللحظة هو تعزيز الثقة الداخلية وتأكيد أن الخلاص يمرّ عبر دولة واحدة وجيش واحد وقرار سيادي واحد. وعلى حزب الله أن يمتلك الشجاعة التاريخية ليضع نفسه خلف الدولة اللبنانية ويقطع ارتباطه العسكري بالوصاية الإيرانية، كما فعل أمينه العام الأول الشيخ صبحي الطفيلي. بل أكثر من ذلك، يجب أن يعلن استعداده لحل جناحه العسكري تحت إشراف الدولة اللبنانية والجيش. عندها فقط يمكن فتح الباب أمام تفاهم وطني جديد يقوم على عقد اجتماعي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الحرة المستقلة ذات السيادة الكاملة على أرضها وقرارها.


​أما إذا أصرّت قيادة حزب الله على سياسة استثمار الدم اللبناني في خدمة مشروع الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووليه الإمام الخامنئي، وأصرّت على سياسة التخوين وتزوير التاريخ وزرع الشك بين اللبنانيين، فإن هذا النهج الانتحاري خدمةً لإيران سيقودها إلى الهاوية، ويدفع بلبنان كله نحو خسارة كبرى.


​لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بدولة واحدة، وجيش واحد، وقرار سيادي واحد. وما عدا ذلك لا يعدو كونه دورانًا في حلقة مفرغة تستنزف اللبنانيين وتحوّل وطنهم إلى ورقة في بازار المصالح الإقليمية والدولية.