مرّت أكثر من ثلاث سنوات على سيطرة القوات الروسية على مدينة ماريوبول الأوكرانية، التي شهدت أشرس المعارك وأعنف عمليات القصف العشوائي وأقسى حصار في بداية الحرب الروسية في شباط 2022.
مضت سنوات ولم يُشفَ سكان المدينة الاستراتيجية بعد من هول العمليات العسكرية، ولم تندمل حتى الآن جروح من نجا من أبنائها وجنودها الذين قاوموا حتى الرمق الأخير وسقط كثيرون منهم في الأسر.
من بين من ذاق مرارة الاعتقال، جندي أوكراني يدعى ""بافلو""، في الخامسة والثلاثين من عمره، والذي حظي بفترة راحة نظّمتها له سفارة أوكرانيا في لبنان، بعدما وقع في الأسر العام 2022، وعانى خلال ما يقارب ثلاث سنوات من ظروف قاسية، لكنّه صمد ونجا.
خلال لقائه بالجالية الأوكرانية في لبنان، روى المقاتل "بافلو" قصته المليئة بالشجاعة والثبات، بكلمات جمعت بين الألم وقوة الروح، لامست قلوب الحاضرين وأبكتهم.
هذا اللقاء لم يكن فقط توثيقاً للمعاناة غير الإنسانية التي مرّ بها الأسير المحرر، بل كان أيضاً دليلاً حيّاً على الإيمان العميق بأوكرانيا وبحتمية النصر، على حدّ وصف السفارة الأوكرانية.
الأسير السابق ""بافلو""، وعلى هامش وجوده في لبنان، خصّ صحيفة "نداء الوطن" بمقابلة تحدّث فيها عن ظروف اعتقاله الصعبة وفرحته باستعادة حريته، إضافة إلى التداعيات الصحية والنفسية التي لا يزال يعاني منها جراء هذه التجربة القاسية.
بغصة كبير يعود ""بافلو"" إلى يوم الاعتقال فيقول "تمّ أَسري في ماريوبول خلال أعنف المعارك. كان ذلك في ربيع 2022، حين كانت المدينة محاصرة بالكامل تقريبًا. بعد اعتقالي نُقلنا مباشرةً إلى أقبية ما يُسمّى "مراكز التصفية"، ثم أُودعنا في السجون. وهناك في الزنازين الضيّقة كان يُحتجز من 6 إلى 8 أشخاص".
عن ظروف احتجازه مع سواه من الأسرى يشرح المعتقل السابق أن "الظروف كانت مروّعة بكل معنى الكلمة. كانوا يضربوننا بالعصي على الأرجل والكعبين حتى لا تترك آثاراً، وغالبًا ما كانوا يوجّهون الضربات نحو منطقة الحوض ساخرين بقولهم: "لا داعي لإنجاب وطنيين". أطلقوا الكلاب علينا. استخدموا الكهرباء في التعذيب. مُنعنا من الجلوس أو الاستلقاء، حيث كان مفروضًا علينا أن نقف طوال الوقت. لهذا السبب أصيب جميع الأسرى بآلام رهيبة في الأرجل، لكن لم يكترث أحد. كما حظروا علينا الكلام مع بعضنا. النوافذ كانت مسوّرة ومطلية باللون الأسود حتى لا نرى النور. وكانوا يجبروننا على إبقاء رؤوسنا نحو الأرض عندما نخرج لاعتقادهم أن النظر الى فوق هو نوع من الاستعداد للهروب".
وبحرقة يقول "هذا الجحيم استمر قرابة ثلاث سنوات. وخلال فترة الأسر نُقلت مرات عدّة من مكان إلى آخر، وفي كل مرّة كانت الظروف تزداد قساوة".
بعد سنوات من المعاناة، لم يستعد ""بافلو"" حريته إلا بفضل صفقة تبادل بين الجانبين الأوكراني والروسي في بداية العام الحالي.
كانت مفاجأة بالنسبة للأسرى المحررين، وهو يقول "لم نعلم بذلك إلا في اللحظة الأخيرة، عندما أخرجونا من الزنازين، وأجبَرونا على الركوع، ثم أعلنوا أنّ التبادل قد بدأ. بصراحة، كنت قد فقدت الأمل تقريباً في أن أخرج حيًّا".
مأساة ""بافلو"" لم تنته بيوم تحريره. فسنوات الأسر تركت آثارًا كبيرة على حياته. عن مرحلة ما بعد التحرير، يشرح أن "العودة إلى حياة طبيعية كانت غاية في الصعوبة. فأنا لا زلت أعاني من مشاكل صحيّة خطيرة: إصابات في الأرجل، آلام مزمنة نتيجة الضرب، إضافة إلى مشاكل في القلب والجهاز العصبي. لكن الأصعب يبقى الجانب النفسي. الذكريات الموجعة والكوابيس عن التعذيب وشعور العجز، هي لحظات لا تفارقني. ومع ذلك، تعلّمت أن أقدّر كل لحظة من الحرية وكل كلمة في التواصل الإنساني".
حاليًا، عاد ""بافلو"" إلى أوكرانيا، حيث يخضع للعلاج وإعادة التأهيل. وهو يصف العودة إلى وطنه بأنها أكبر نعمة يمكن تخيّلها. ويقول "هدفي اليوم هو أن أتعافى وأن أساعد رفاقي".
"لجلاّديه"، كما يصفهم، رسالة حازمة مجبولة بحبّ الوطن يقول فيها: "لن تتمكّنوا أبداً من كسر إرادة الأوكرانيين مهما حاولتم".
ومن ""بافلو"" لشباب وبنات أوكرانيا الذين لا يزالون في الأسر، يوجّه رسالة دعم وتضامن: "اصمدوا، قاوموا، نحن لا ننساكم وسنعيدكم إلينا مهما طال الزمن".
شهادة ""بافلو"" المؤثرة، تلخص معاناة ملايين الأوكرانيين، الذين قلبت هذه الحرب الطويلة حياتهم رأسًا على عقب. والأكيد أن الغزو الروسي لأوكرانيا، سينتهي في يوم ما، ولكن آثاره لا يمكن محوها بسهولة، لا على البشر ولا على الحجر.
