وائل خير

8 أكتوبر وقيامة لبنان

4 دقائق للقراءة

أميل إلى الاعتقاد أن من أهم تواريخ الشرق الأوسط هو أحداث صبيحة 7 أكتوبر 2023 عندما اقتحم عدد من مسلحي "حماس" الحواجز التي تفصل بين إسرائيل وقطاع غزة وانسحبوا بعد عدة ساعات بصحبتهم 251 إسرائيليًا من رجال ونساء وأطفال تاركين وراءهم ما يزيد على 1200 ضحية تعذيب وقتل واغتصاب.


صبيحة 8 أكتوبر أعلن الأمين العام لـ "حزب الله" في لبنان "المساندة والمشاغلة" لإعلان حماس الحرب على إسرائيل.


لا شك لدي بأن اختراق حماس ومساندة "حزب الله" يشكلان حدثًا مفصليًا في تاريخ الشرق الأوسط ولبنان يضاف إلى مثيلات تقدمتاهما خلال القرن العشرين: انهيار السلطنة العثمانية وقيام دول الشرق الأوسط الحديثة. هناك أيضًا المسألة الفلسطينية التي بدايتها كانت بالتوتر المتصاعد بين العرب المقيمين واليهود القادمين والذي انفجر غداة إعلان دولة إسرائيل في 15 أيار 1948، ومحاولة 5 جيوش عربية اجتياح الأراضي الفلسطينية. تلك كانت الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى.


طبيعي أن تفرض القوى الغالبة أنماط تفكيرها وقيمها ومؤسساتها على الأراضي التي تحتلها وهو ما قامت به بريطانيا وفرنسا على البقاع التي اختصت بها. وهكذا دخلت للمرة الأولى إلى منطقة الشرق الأوسط المؤسسات والقيم التي طورها الغرب والتي باستثناء غلاة التقليديين، تعتبر أفضل أنظمة حكم.


وضعت حرب فلسطين وهزيمة العرب حدًا لسياق واعد. كانت المنطقة قد اكتسبت مؤسسات الحكم الغربي القائم على سلطات ثلاث مستقلة كل منها عن سائرها. وأيضًا مساواة جميع المواطنين أمام القانون وحقوق الفرد بحرية التفكير والتعبير والاجتماع .


كانت الفترة ما قبل 1948 واعدة. تقف في مصر عام 1926 على حكم محكمة ضد الملك فؤاد. وفي العراق يرد وزير المالية أمرًا صادرًا عن الملك فيصل الأول لمخالفته الدستور، فيتراجع الملك ويشيد بتقيّد الوزير ساسون حزقيل بأحكام القانون. ثم إن انتخابات نيابية كانت تجرى بانتظام وبحرية معقولة عبر الدول العربية حتى أن حزب الوفد في مصر المعارض للملك وللإنكليز، كان يفوز بأكثرية المجلس النيابي طوال الفترة الملكية.


حرب فلسطين وضعت حدًا لمسرى الديمقراطية في الدول العربية إذ اغتصب العسكريون السلطة ابتداء من حسني الزعيم عام 1949 في سوريا ومن بعدها مصر فالعراق وليبيا والسودان واعدين باستعادة فلسطين وبنقل المجتمعات من التخلف إلى الحداثة. لكن الواقع خالف الوعود: إسرائيل تمددت حدودها، والبحبوحة والازدهار باتا فقرًا وعوزًا كما أن الحريات: حرية الاجتماع، التعبير، الصحافة، الحريات الأكاديمية، انتهت ذكريات ماضٍ عبر.


مأساة لبنان تمّت عن طريق مختلف. هي بنية لبنان التي جمعت ضمن حدوده مجموعات غير متجانسة تتوجس إحداها من الأخرى إضافة إلى أن معظمها هو امتداد للمنطقة داخل لبنان تستجير كل مجموعة بامتداداتها الإقليمية لتعزيز موقعها الداخلي ذاك هو مدخل لفهم سيطرة الفلسطينيين ومن بعدهم السوريين فالإيرانيين على القرار اللبناني.


كان "حزب الله"، وفي درجة أقل منظمة "أمل"، أهم أدوات القضم التدريجي لحريات لبنان عبر التشديد على خصومهما السياسيين والصحافيين وصولًا إلى الاغتيالات. أما الحياة الاكاديمية، في الجامعة اللبنانية خاصة، وإلى حد أقل في سواها، فوُضعت قيود عليها يلاقي من لا يتقيد بها ما يردعه عبرالترقيات والتعيينات. القضاء كان أشد سوءًا خاصة القضاء الجزائي والمالي وبالتحديد المحكمة العسكرية حيث لا تزال تحتجز بتهمة اختفاء الإمام موسى الصدر هنيبعل القذافي الذي كان طفلًا في العام 1978. دليل آخر على مأساة العدالة هو انفجار مرفأ بيروت إذ بعد 4 سنوات لم يجرؤ قاضي تحقيق بعد على ختم التحقيق في انفجار يعتبر الأكبر غير نووي في تاريخ البشرية، ترك وراءه مئات الضحايا وخسائر بمليارات الدولارات.


من كان وراء كل هذه المآسي؟


لا شك أن "الثنائي أمل - حزب الله" كان صاحب اليد الأعلى والكلمة الفصل في كل حدث منذ انسحاب سوريا عام 2005 وانحصار القرار اللبناني بـ "الثنائي". من بين الإثباتات الدامغة على دوره، قوانين الانتخابات النيابية التي أولته سيطرة غير محدودة على عمل المجلس النيابي: متى ينعقد، جدول الأعمال وسواها خاصة المهل المحددة بالدستور لانتخاب رئيس الجمهورية. في العقود الأخيرة عطّل الرئيس بري انتخاب رئيس للجمهورية طوال ما يزيد على السبع سنوات بانتظار فرصة تسنح بانتخاب رئيس لا يرد لـ "الثنائي" طلبًا.


الحدث التاريخي كان إعلان 8 أكتوبر ونتائجه الكارثية على "الثنائي" التي أدت إلى انتخاب رئيس جمهورية لا يستوفي شروط إيران ولا ثنائيها، تبعه تكليف شخصية سنية ليست على لائحة المرضى عنهم. التقدم حتمًا بطيء، غير أن النتائج لا تزال مرضية.


علينا أن ننتظر جلسة 5 أيلول آملين ألّا تخيب آمالنا.