بشار حيدر

السلاح والأبارتايد الطائفي

3 دقائق للقراءة

يرفض "حزب الله" الإقرار بحصرية السلاح بيد الدولة، لكنه يطالب بحصرية أخرى: إنها حصرية السلاح خارج الدولة بيد الطائفة الشيعية، التي وحدها لها الحق فيه، أكان ذلك في بنت جبيل، على الحدود مع اسرائيل، أو في الهرمل أبعد البلدات اللبنانية عن تلك الحدود.


لذا فمشكلة سلاح "الحزب" لا تكمن فقط في تعارضه مع مبدأ سيادة الدولة، بل أيضًا في نسفه مبدأ التوازن الطائفي، كون السلاح خارج الدولة محصورًا بيد طائفة دون غيرها. ولأن السلاح يكسر ذلك التوازن، فليس من المستغرب ان ترفضه الطوائف المكسورة وأن تتمسك به الطائفة الكاسرة.


ولا يستعاد التوازن الطائفي إلا بأحد أمرين: إما حصر السلاح بيد الدولة، وإما تعميمه على كل الطوائف. وبما أن الخيار الثاني غير مقبول أو مطروح أصلًا، يبقى الخيار الوحيد للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الطائفي هو حصر السلاح بيد الدولة.


إذًا نحن لسنا فقط أمام سؤال عن جدوى سلاح "الحزب" في حماية لبنان بعد الهزيمة الساحقة والمستمرة أمام إسرائيل، لكننا أيضًا أمام سؤال آخر عن تبرير استئثار طائفة بعينها بحق حمل السلاح. فإعطاء طائفة دون غيرها هذا الحق يُنتج "أبارتايد" (نظام فصل) طائفيًا يفترض وجود طائفة ممتازة جديرة بالسلاح ومستعدة للتضحية في سبيل الوطن، وطوائف أخرى عادية، أو ما دون العادية، لا تستحق ذلك الامتياز.


حتى الماضي القريب، وفي ظل الغلبة الواضحة للطائفة المسلحة، طَبَّع قسم كبير من الطوائف المغلوبة مع حالة الامتياز الطائفي هذه، بل جنح بعضهم إلى مبايعة الطائفة المهيمنة. فخيار مواجهتها كان بلا أفق، ولا يَعِد إلا بحرب أهلية غير متكافئة مع طرف مدجج بالسلاح ومدعوم من محور يمتد من بيروت إلى طهران مرورًا بدمشق وبغداد.


بقيت هذه الحال إلى أن قررت اسرائيل، لاعتبارات تخص مصلحتها الخاصة طبعًا، أن تكسر شوكة الطائفة الممتازة وشوكة محورها، وأن تعفي بالتالي الطوائف المغلوبة من شرور المواجهة الأهلية التي كانت تتطلبها استعادة التوازن بين الطوائف.


يحاول "حزب الله" اليوم أن يقول إن ورقة المواجهة الأهلية ما زالت بحوزته، فهو يخيّر اللبنانيين بين بقاء السلاح أو الحرب في حال أصرت الدولة على المضي في مشروع نزع سلاح "الحزب" بالقوة.


يعلم "الحزب" وجمهوره أن المضي في خيار الحرب الأهلية ليس بالأمر اليسير، خصوصًا في ظل الحصار الداخلي (السنة والدروز والمسيحيون) والإقليمي (إسرائيل وسورية). فالموازين قد تغيرت ولا أفق يرتجى من حرب كهذه. لكن بالرغم من ذلك يحمل خيار نزع سلاح "الحزب" بالقوة قدرًا لا بأس به من المجازفة، خاصة وأن الدولة ومؤسستها العسكرية قد لا تتحملان سقوط عدد ولو قليل من الضحايا المدنيين أو العسكريين في مواجهات من هذا النوع.


لكن الذي يجب أن يدركه "الحزب" وجمهوره أن عدم التخلي عن السلاح طوعًا وردع الدولة عن نزعه بالقوة، يعني ترك هذا الأمر لإسرائيل الجاهزة لإعفاء اللبنانيين ودولتهم من هذه المهمة الشاقة، لكنْ طبعًا بشروطها وليس بشروطهم، كما قال لنا السيناتور الأميركي ليندسي غراهام.


حينها ستكون الخسارة الأقصى من حصة جمهور السلاح.