بين 12 أيار و12 تموز 2025، كان نظام الرئيس السوري أحمد الشرع يمرّ بأزهى فتراته خارجيًا وداخليًا، بعد ستة أشهر من نجاحه بالوصول إلى دمشق، وفرار بشار الأسد، وسقوط نظامه.
وأضفت القمّة التي جمعته بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، قوّة على صورته، فالرجل الذي قاد أحد فروع تنظيم "القاعدة"، ظهر برفقة أكبر شخصيتين عربية وغربية تحاربان الإرهاب.
وجاء إعلان ترامب نيّته رفع العقوبات عن سوريا، ثمّ إلقاء كلمات المديح بحق الشرع ليُضيف زخمًا كبيرًا إلى صورته كرئيس، وكان لا بدّ من الاستفادة من هذا التقدّم الخارجي في الداخل، وتوظيفه لناحية بسط سلطته، وإقناع المكوّنات السورية بالحوار معه لتتمكّن دمشق من الإقلاع نحو الاستقرار بعد 14 عامًا من الحرب التي مزقتها.
في تلك الفترة، وجدت الأطراف السورية الداخلية أنه لا بدّ من الانخراط في حوار جدّي، فالمشهد الذي رأوه في الرياض يدلّ على أن الشرع قدم إلى دمشق ليبقى أقلّه في الفترة المقبلة، وطالما كانت النيّة استقرار سوريا، فالجهود يجب أن تتلاقى وتتضافر للوصول إلى برّ الأمان.
مشكلتان كانت دمشق تواجههما، واحدة في الشمال الشرقي، حيث تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية" على محافظتي الحسكة، والرقة، وتقريبا نصف محافظة دير الزور، والثانية في الجنوب السوري وتحديدًا السويداء، حيث يشكّل المكوّن الدرزي الغالبية العظمى من سكان المحافظة.
من ناحية المطالب، كانت مشكلة الكرد أكبر، لأن لديهم قوّة عسكرية منظمة يريدون أن تندمج ككتلة لا أن تذوب في الجيش السوري الجديد، وإدارة ذاتية تشرف على مناطق السيطرة منذ سنوات، وهناك أيضًا مشكلات متعلّقة بالإعلان الدستوري، ورفض تسمية الجمهورية العربية السورية، والاكتفاء بالجمهورية السورية، واعتماد اللغة الكردية، وأمور أخرى.
في السويداء، كانت مشكلة حكومة دمشق أصغر بكثير من مشكلة شرق الفرات، لأنه لم يكن هناك يومها جسم عسكري موحّد، أي لا توجد مشكلة اندماج، وتمحورت مطالب المحافظة حول إعلان دستور مدني، ولامركزية إدارية، وفتح معبر اقتصادي مع الأردن.
الانفتاح الدولي والعربي، مكّن دمشق من امتلاك اليد الطولى في المفاوضات التي كانت تجرى برعاية أميركية، حيث أصبح الكرد في موقف صعب نتيجة الضغوط التي تعرّضوا لها، حتى من قِبل حلفائهم الدوليين، فيما كانت الأمور جنوبًا تشير إلى عدم رغبة سلطة دمشق في إعطاء أي مكسب للدروز، خصوصًا في ما يتعلّق باللامركزية الإدارية، وفتح معبر مع الأردن.
وسط هذه الأجواء، مثلت الفترة الممتدة بين 13 و19 تموز تحوّلًا مفصليًا في المشهد السوري، فدمشق دفعت بقوّاتها جنوبًا لإخضاع المحافظة بالقوّة العسكرية، وإقفال الملف نهائيًا كي تسقط الكرد معنويًا في المرحلة اللاحقة، بينما مكّن صمود الدروز عسكريًا، خصوصًا في اليوم الثالث للمواجهات (15 تموز) والذي تلاه تدخل جوي عسكري إسرائيلي استهدف دبابات وآليات الشرع في الجنوب، وهيئة أركانه ووزارة دفاعه في العاصمة، الأفرقاء المعارضين للسلطة من قلب الطاولة وخلط الأوراق.
فالكرد الذين كانوا قبل معارك الجنوب في موقف لا يحسدون عليه، أصبحت مسألة الانضمام ككتلة إلى الجيش السوري أمرًا مفروغًا منه، ورفعوا مطالبهم من اللامركزية إلى الفدرالية وإلّا الاستقلال، كما صرّح بعض من قادتهم.
أمّا في الجنوب، فالدروز الذين كانت جلّ مطالبهم تتمحور حول أمور إدارية، انتقلوا بسرعة البرق إلى المطالبة بحق تقرير المصير، والانفصال عن سلطة دمشق بعد المجازر التي ارتكبها خليط القوات المهاجمة والعشائر، وإقفال المحافظة في وجه وزراء وشخصيات سورية، وهنا استفادوا من عدم قدرة الشرع على تكرار سيناريو الساحل عندما تمكّن من الضرب بيد من حديد حاسمًا الأمور في ليلة ويوم، ليخرجوا في تظاهرات أسبوعية تطالب بحقوقهم. كما انضمّ إلى مطالبهم مسيحيو المحافظة الذين قالوا إن المسلّحين الذين هاجموا المنطقة أقدموا على قتل عدد من المسيحيين، إضافة إلى قيامهم بسرقة ست كنائس وإحراقها.
وإذا كانت مشكلتا شمال شرق سوريا والجنوب لم تحلّا منذ وصول الشرع إلى دمشق، غير أن الجديد بعد معارك الجنوب، ظهور مؤسّسات ومنظمات ومجالس في الساحل السوري تدعو إلى النضال من أجل الوصول إلى نظام سياسي فدرالي، كما بدأت تنشط في العواصم الأوروبّية والولايات المتحدة، ما يعني أن الضغط على الحكم الجديد يكبر أكثر فأكثر.