في كل أزمة حكومية أو تعطيل سياسي يواجه الدولة اللبنانية، يُستحضر مصطلح "الميثاقية" ويُرفع كشعار من قبل بعض القوى السياسية، خصوصًا عند غياب مكوّن طائفي معين عن الحكومة أو البرلمان، كما هو الحال في حالات انسحاب الوزراء الشيعة من جلسات مجلس الوزراء أو الامتناع عن توقيع مراسيم. هذا الاستخدام المتكرّر للمصطلح، خارج سياقه الدستوري والتاريخي، يفرض ضرورة إعادة تعريف "الميثاقية" وفق جوهرها الحقيقي، كجزء من الصيغة اللبنانية التي بُني عليها الكيان، لا وفق اجتهادات سياسية تهدف إلى فرض أعراف جديدة تقلب التوازن الوطني.
الميثاقية ليست اختراعًا ظرفيًا، بل هي مفهوم نابع من "الميثاق الوطني"، أي العهد الذي قامت عليه دولة لبنان الكبير سنة 1943 بين المسيحيين والمسلمين. لم يكن هذا الميثاق اتفاقًا بين كل طائفة وطائفة، بل كان اتفاقًا ثنائيًا بين جماعتين مؤسِّستين للدولة: الجماعة الإسلامية والجماعة المسيحية. فقد تخلّى المسلمون عن مطلب الوحدة مع سوريا، وتخلّى المسيحيون عن الحماية الأجنبية، مقابل تثبيت الشراكة الوطنية، وتحوّلت هذه المعادلة إلى أساس النظام اللبناني، ولا تزال إلى اليوم تُشكّل الإطار الشرعي لتوازن السلطة في لبنان.
هذا التوازن الثنائي تأكد في اتفاق الطائف الذي أعاد صياغة الدستور عام 1990. لقد أقرّ الطائف المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في التمثيل النيابي والوظائف العامة في الفئة الأولى، وأبقى على هذه المناصفة كعنصر أساسي في النظام حتى بعد إلغاء الطائفية السياسية بشكل تدريجي. وجاء في المادة 24 المعدّلة من الدستور: "تُوزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين". أما في المادة 95، فورد ما يلي: "تلغى قاعدة التمثيل الطائفي، ويُعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة". هذه النصوص لا تترك مجالًا للشك في أن الميثاقية تُقاس على أساس التوازن الإسلامي–المسيحي، وليس على أساس تمثيل كل طائفة من الطوائف الثمانية عشر.
في ضوء ذلك، يصبح الادعاء بأن غياب وزراء الطائفة الشيعية عن الحكومة يُسقط الميثاقية، أمرًا مخالفًا للدستور، لأن حضور وزراء سنّة أو دروز في الحكومة يحافظ على التوازن الإسلامي. كما أن غياب وزراء كاثوليك لا يُسقط الميثاقية، طالما أن هناك حضورًا مسيحيًا من الأرثوذكس أو الموارنة. الميثاقية لا تسقط إلا عندما يختل التوازن بين المسلمين والمسيحيين، وليس حين تغيب طائفة عن حضور أو توقيع.
الفقرة "ي" من مقدمة الدستور تنص على ما يلي: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". وقد فسّر الفقه الدستوري اللبناني هذا النص على أنه يحمي التوازن الإسلامي–المسيحي، لا التمثيل الطائفي لكل فئة على حدة. بمعنى آخر، لا يمكن لطائفة واحدة أن تحتكر حق إسقاط شرعية الدولة. فإذا وُجد تمثيل متوازن بين المسيحيين والمسلمين، فإن غياب أي طائفة ضمن كل مكوّن لا يُشكّل خللاً في الميثاقية.
الخطير في ما يجري اليوم هو محاولة بعض القوى السياسية تكريس حق النقض الطائفي عبر التلويح بالميثاقية. فإذا قُبل الادعاء بأن غياب طرف طائفي يُسقط الشرعية عن أي قرار، فهذا يعني فعليًا إدخال البلاد في أعراف المثالثة بين الشيعة والسنّة والمسيحيين، وهي معادلة لم تُذكر في أي موضع من الدستور اللبناني ولا في وثيقة الوفاق الوطني. المثالثة ليست سوى محاولة سياسية لتعديل جوهر النظام من دون المرور بمسار دستوري واضح، وهي تمهيد لتقويض المناصفة، وبالتالي ضرب الصيغة التي تحفظ وحدة الدولة.
الدستور اللبناني لا يُجيز تعطيل المؤسسات بحجّة غياب طائفة. بل على العكس، فإن مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها الذي ورد في الفقرة "هـ" من مقدمة الدستور، يمنع أي سلطة أو فريق أو طائفة من احتكار القرار أو فرض الفيتو بشكل دائم. وأي مخالفة لهذا المبدأ تقود إلى شلل دائم، لا إلى شراكة.
في ملفات حساسة مثل مناقشة السلاح غير الشرعي أو السياسات الدفاعية للدولة، يدّعي البعض أن طرح هذه الملفات في مجلس الوزراء دون حضور وزراء الطائفة الشيعية هو خروج عن الميثاقية. لكن طالما أن المكونين السنّي والدرزي، ومعهما أكثر من طرف مسيحي، لا يمانعون طرح الملف، فإن الميثاقية قائمة، لأن التوازن الإسلامي–المسيحي محقق. أما تحويل الميثاقية إلى ذريعة لتعطيل أي نقاش لا يُرضي طرفًا بعينه، فهو افتئات على الدستور وخروج عن العقد الوطني.
إن ما يهدد النظام اللبناني اليوم ليس نقصًا في التمثيل الطائفي، بل الإفراط في استخدام الميثاقية كسلاح سياسي يُشوّه معناها الحقيقي. فالميثاقية في لبنان ليست نظام حصص طائفية، بل صيغة عيش مشترك بين جماعتين تتقاسمان السلطة وفق قاعدة المناصفة. وكل ما عدا ذلك هو محاولة لتفكيك الدولة وإخضاعها للابتزاز.
الحفاظ على لبنان يقتضي العودة إلى جوهر الميثاق، لا إلى استعماله كذريعة. الدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق التعطيل، ولا يجوز لأي طائفة أن تستأثر بحق إسقاط الشرعية عن مؤسسات الدولة، لأن الشرعية تستمد من النصوص، لا من الحسابات الفئوية. حين نعود إلى فهم الميثاقية على حقيقتها، لا على تأويلاتها السياسية، نُعيد التوازن للدولة ونُنقذ الصيغة.