محمد البابا

بين باريس وشانغهاي... أوكرانيا تعيش تكرار مشهد 1939

6 دقائق للقراءة

بين قمة باريس التي جمعت قادة الغرب للبحث في مستقبل الأمن الأوروبي، وقمة شانغهاي التي سعت لإظهار تماسك محور الشرق في مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية، يتشكل مشهد عالمي متداخل يعكس حجم الانقسام الدولي حول حرب أوكرانيا. هاتان القمتان لم تكونا مجرد اجتماعين دبلوماسيين عابرين، بل جسّدتا مسارين متوازيين يتركان أثرهما المباشر على مجريات الصراع في أوكرانيا وعلى توازن القوى في النظام الدولي.


في باريس، ركّزت النقاشات على الضمانات الأمنية التي تطالب بها أوكرانيا منذ اندلاع الغزو الروسي. كييف تسعى إلى تثبيت التزامات ملموسة من حلفائها الغربيين، ليس فقط عبر تزويدها بالأسلحة الحديثة، بل أيضاً من خلال بناء إطار أمني طويل المدى يضمن استمرار الدعم السياسي والعسكري حتى ما بعد انتهاء الحرب. الأوروبيون منقسمون حول شكل هذه الضمانات، بين من يدفع باتجاه فتح الطريق سريعاً نحو عضوية الناتو، ومن يفضل صياغة اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف تبقي الباب مفتوحاً من دون التزامات مباشرة وصريحة.


في المقابل، حملت قمة شانغهاي رسالة مغايرة تماماً، حيث سعى الحضور إلى تقديم أنفسهم كقوة موازية للغرب، مستثمرين في خطاب "رفض الهيمنة" والدعوة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب. روسيا حاولت أن تُظهر أنّها ليست معزولة، وأنها قادرة على حشد دعم سياسي واقتصادي من شركائها الآسيويين، وإن كان هذا الدعم لا يصل إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر. الصين من جهتها استثمرت القمة لتأكيد موقعها كحَكم غير معلن، توازن بين مصالحها الاقتصادية مع الغرب وبين الشراكة الاستراتيجية مع موسكو.


على الأرض، تستمر يوميات الحرب في أوكرانيا بوجه دموي متصاعد. روسيا تسعى إلى توسيع نطاق المناطق المحتلة، خصوصاً في مقاطعات الشرق والجنوب، محاولةً فرض وقائع عسكرية جديدة قبل أي طاولة مفاوضات. الضربات الجوية الروسية لم تتوقف، بينما ترد أوكرانيا عبر هجمات مضادة وعمليات نوعية في العمق الروسي. المشهد الميداني يعكس أن لا هدنة في الأفق، بل حرب استنزاف طويلة الأمد يحاول كل طرف فيها إضعاف الآخر قبل أن يجلس إلى أي مفاوضات مفترضة.


وسط هذه التطورات، أثار إعلان بوتين استعداده لدعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لزيارة موسكو جدلاً واسعاً. الدعوة، التي بدت في ظاهرها بادرة سياسية، اعتبرها كثيرون مسرحية جديدة هدفها إذلال زيلينسكي، عبر وضعه في موقف يشبه ما حصل قبل أكثر من عقد حين دعا بوتين الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي إلى زيارة روسيا للمشاركة في إحياء ذكرى مجزرة كاتين. تلك الزيارة انتهت بمأساة كبرى بعدما تحطمت الطائرة الرئاسية البولندية عام 2010 قرب سمولينسك، ما أدى إلى مقتل كاتشينسكي وعشرات القادة السياسيين والعسكريين البولنديين. الحادثة ما زالت عالقة في الذاكرة الأوروبية، وتُستخدم اليوم كرمز على خطورة الانجرار وراء الدعوات الروسية التي غالباً ما تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز ظاهرها البروتوكولي.


في خضم هذه التحالفات المتعارضة، برزت مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بدأ يضع بصمته مجدداً على مسار الحرب. فترامب، بخطابه الصريح، طالب أوروبا بوقف شراء النفط الروسي، معتبراً أنّ استمرار تدفق الأموال إلى موسكو عبر عائدات الطاقة يعني عملياً تمويل الحرب الروسية ضد أوكرانيا. هذا الموقف أحدث جدلاً واسعاً داخل أوروبا، حيث تتخوف بعض الدول من انعكاسات اقتصادية واجتماعية إذا أُغلقت مصادر الطاقة الروسية بشكل كامل. لكن لا يمكن إغفال أنّ خطاب ترامب يلامس جوهر المعركة: عصب الاقتصاد الروسي وقدرته على الاستمرار في تمويل آلته العسكرية.


المفارقة أنّ أوروبا تجد نفسها عالقة بين ضغوط أمريكية تدعوها للتشدد الاقتصادي ضد موسكو، وهاجس داخلي يخشى من ارتدادات أي قرار جذري على الشارع الأوروبي. في الوقت نفسه، تدرك كييف أن أي ضمانات أمنية تبقى فارغة المضمون إن لم تترافق مع قطع مصادر تمويل روسيا وتقييد قدراتها العسكرية.


اللافت أنّ مسار الأحداث الحالية يعيد إلى الأذهان دروس التاريخ القريب، وخصوصاً ما جرى في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن الماضي. حينها، بدأ هتلر بضمّ تشيكوسلوفاكيا تحت ذريعة حماية "الأقليات الألمانية"، مستغلاً تردد الغرب وخوف لندن وباريس من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. هذا التردد سمح لألمانيا النازية بفرض وقائع ميدانية بلا كلفة فورية، وهو ما يشبه إلى حد بعيد ما تقوم به موسكو اليوم عبر اجتزاء الأراضي الأوكرانية وفرض سيطرتها بالقوة، تحت حجج "التاريخ" و"الأمن القومي".


بعد ضمّ تشيكوسلوفاكيا، تحالف هتلر مع موسوليني، مؤسساً ما عُرف لاحقاً بـ"حلف المحور"، الذي كان يقوم على قاعدة توسيع النفوذ بالقوة وتحدي النظام الدولي القائم. واليوم، تُظهر روسيا بدورها ميلاً واضحاً نحو بناء محور جديد مع قوى آسيوية وإقليمية، في محاولة لإيجاد مظلة سياسية واقتصادية تعوّض العزلة الغربية. هنا يكمن التشابه الدقيق: منطق القوة ذاته، ومنطق بناء التحالفات خارج الإطار التقليدي للنظام الدولي.


لكن اللحظة المفصلية في التاريخ كانت حين غزا هتلر بولندا عام 1939، فاصطدم مباشرة مع الخطوط الحمراء البريطانية والفرنسية. بولندا يومها كانت الشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية، بعدما قررت لندن وباريس أخيراً أنّ سياسة المهادنة لم تعد ممكنة. واليوم، تتكرر الصورة وإن بظروف مختلفة: أوكرانيا تمثل بولندا العصر الحالي، الدولة التي قررت أن تقف في وجه موسكو وترفض الخضوع لشروطها، بينما تجد العواصم الغربية نفسها مترددة في حسم خياراتها، بين التورط الكامل في مواجهة مع روسيا أو الاكتفاء بالدعم غير المباشر.


التشبيه هنا لا يقف عند حدود الرمزية، بل يذهب أبعد من ذلك: فكما أنّ تجاهل العالم لخطوة هتلر في تشيكوسلوفاكيا فتح الطريق إلى حرب عالمية، فإنّ أي تهاون اليوم في مواجهة التوسع الروسي قد يفتح الباب أمام مرحلة صدام أوسع بكثير، تتجاوز حدود أوكرانيا لتطال الأمن الأوروبي برمته.


بين باريس وشنغهاي، يتضح أنّ العالم ينزلق أكثر نحو اصطفاف حادّ بين محورين، أحدهما يسعى إلى تكريس الردع والدفاع عن أوكرانيا عبر مظلة غربية متينة، والآخر يحاول إظهار نفسه كبديل جيوسياسي يشرعن استمرار روسيا في حربها. وما بينهما، يقف المشهد الأوكراني شاهداً على عجز الدبلوماسية حتى الآن عن فتح أي نافذة جديّة نحو التسوية.


خلاصة هذه المعادلة أنّ حرب أوكرانيا، رغم كل المؤتمرات والقمم والوعود، لا تزال بعيدة كل البعد عن أي مسار للسلام أو إنهاء الصراع. فالمعادلات الكبرى ترسم حدودها في باريس وشنغهاي، لكنّ الميدان الأوكراني يبقى وحده مسرحاً للحقيقة القاسية: حرب مفتوحة بلا أفق قريب للانتهاء.