فرنسوا غيوم لوران

محمد الشرقاوي: ما وراء إعادة أسلمة العالم

19 تشرين الثاني 2020

المصدر: Le Point

02 : 01

لم يلتفت الكثيرون إلى البحث الذي نشره في العام 2018 عالِم الاجتماع المغربي محمد الشرقاوي، مدير المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والمدير السابق للمجلة الفرنسية لعلم الاجتماع. إنه أمر مؤسف فعلاً. يمكن اعتبار بحثه عن ظاهرة الأسلمة، Presses universitaires de la Sorbonne (مطابع جامعة السوربون)، أفضل تحليل للتغيرات التي تشهدها الممارسات الدينية، كتلك الحاصلة في الدين الإسلامي، داخل المجتمعات المسلمة وغير المسلمة. استناداً إلى عدد من الاستطلاعات والإحصاءات، يقيّم الشرقاوي في بحثه مختلف القضايا التي تستطيع تفسير انتشار النزعة السلفية ويقارن بينها. علم الاجتماع هو علم الحقائق لكن نادراً ما يُستعمَل في مواضيع مماثلة مع أنه يرصد مسارات واضحة جداً.

تُفضّل التكلم عن تحوّل الإسلام لا صحوة الإسلام. لماذا؟

لأن التحوّل يعني الانتقال من الإسلام الشعبي وغير التقليدي، حيث تكون الأفكار المقدسة كلية الوجود وتطغى المعتقدات والممارسات، إلى الإسلام التقليدي والصارم والمتزمت والمتمسك بالشريعة. يُعتبر انتشار الإسلام التقليدي في الوقت الراهن من أكبر الألغاز العلمية. شهدت هذه الممارسات تفاقماً غير مسبوق بكل وضوح. أنا قمتُ بتقييم هذه النزعة ووصفتُ نماذج تطوّرها. لو اكتفينا بتحليل الجانب الكمّي، لاستطعنا التكلم عن انتشار واضح لهذه الظاهرة. لكني رصدتُ أيضاً تغيرات نوعية عبر إجراء أبحاث إثنوغرافية. كل من يتكلم عن "أزمة الإسلام" لا يعرف ما يقوله.

لتفسير صعود السلفية، أنتَ تدحض بعض التفسيرات (مثل إغراق وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالحملات الدعائية) وتُركّز على مشاعر الإهانة واستياء شعبٍ اعتُبر منبوذاً، بالإضافة إلى الحملة الدعائية التي يطلقها المفكرون "البروليتاريون". ما الذي يدفعك إلى إعطاء الأولوية لهذه الأسباب؟

أنا أميّز بين الأسباب الخارجية والأسباب الداخلية. في ما يخص الأسباب الخارجية، آخذ بالاعتبار تحديداً النمو الاقتصادي والاجتماعي، وتأثير وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، والسياسة المبنية على الممولين من أصحاب الموارد المالية اللامحدودة، ومظاهر البؤس والإحباط التي ترمي الأفراد في شِباك الإسلام السياسي.

في ما يخص الأسباب الداخلية، أُركّز على النظرة التي يحملها المسلمون عن أنفسهم وعن الآخرين، والتحولات الحاصلة على مستوى المورفولوجيا الاجتماعية في البلدان المسلمة، ونهاية الإسلام الشعبي وتنامي سيطرة الإسلام الديني، وأنظمــــة التفاعل الاجتماعـــي المرتبطة بالتحـولات الأخيرة التي أختصرها بعبارة "التأثير الاجتمـــاعي" على المنتقليــن إلى الإسلام التقليدي والأثر التراكمي المرافق لها. قد تؤثر الأسباب الأولى على مستوى التديّن بدرجة معينة، لكنّ الأسباب الثانية هي التي تعطي الأثر الحاسم.

لأعطيكم مثالاً على هذه الفكرة. يقال إن امتداد الإسلام التقليدي وممارساته ينجم عن سياسة تحبذها دول معينة، فتُخصّص موارد مالية غير محدودة خدمةً لقضاياها. يفترض هذا التفسير أن الأفراد الذين تستهدفهم هذه السياسة هم مجرّد دمى يسهل التلاعب بها. لدعم هذه الفكرة، يجب أن نثبت أن الاستثمارات المالية سبقت التغيرات الحاصلة في نسبة تديّن المسلمين، لكنّ الوضع ليس كذلك في عدد كبير من الدول. بدأت أسلمة المجتمع المصري مثلاً تحديداً بعد حرب حزيران 1967 وتعامل معها المصريون وكأنها كارثة وطنية. ومقابل الفرضية المرتبطة بالقوة المطلقة لوسائل الإعلام، أذكّر الجميع بأن الأسلمة سبقت ظهور القنوات الفضائية في هذه الحالة أيضاً.


تتعلق إحدى الفكرات الهوسية التي يحملها الإسلام بتفوّق الغرب على المسلمين. ما تأثير هذه الفكرة على ظاهرة إعادة الأسلمة؟


لا شك في أن السلفية التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر شكّلت، ولو جزئياً، رداً على المشاكل العالمية التي واجهها المفكرون المسلمون في تلك الحقبة. نتيجةً لذلك، طرح شكيب أرسلان السؤال التالي في بداية الثلاثينات: "لماذا تأخّر المسلمون ولماذا تقدّم الآخرون"؟ كان عالِم الاجتماع الفرنسي إدمون ديمولينز قد أطلق النوع نفسه من التحذير قبله من أجل فرنسا في العام 1897 في كتابه À quoi tient la supériorité des Anglo-Saxons ? (ما سبب تفوّق الأنغلو ساكسون؟). يُقال إن تطور الإسلام توقف بعد سيطرة الجيش المغولي على بغداد في العام 1258. لكن لا يشرح المؤرخون هذه الأزمة في الحضارة الإسلامية استناداً إلى عوامل خارجية، بل يطرحون أسباباً داخلية أخرى. لأخذ الجوانب الاقتصادية بالاعتبار، بنى خبير الاقتصاد تيمور كوران كتابه The Long Divergence (التباعد الطويل) على بعض الجوانب المؤسسية مثل الميراث والعقود.


إلى أي حد تعطي أهمية للعوامل التاريخية والجيوسياسية مثل إلغاء الخلافة (في العام 1924)، والحرب في أفغانستان، وحقبة الاستعمار، وانهيار الاتحاد السوفياتي؟


انعكس جزء من العوامل الجيوسياسية بقوة على الوجهة الإيديولوجية للنُخَب السائدة في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة. ولطالما كانت الاضطرابات الاجتماعية والسياسية المحرك الأصلي وراء أبرز الإصلاحات المحافِظة أو المعاصرة. أثّر الغزو المغولي في نهاية القرن الثالث عشر وتهديد الصليبيين على عقيدة الإصلاحي السلفي البارز ابن تيمية. اعتُبرت حقبة الاستعمار أيضاً صدمة حقيقية. لنأخذ أمثلة من المجتمعات غير المسلمة. كان انهيار الحضارات السبب في الرؤية التي كوّنها الأميركيون الأصليون المهزومون والحركة المسيانية وموجات الاستسلام والثورات التي وصفها ليون بورتيلا عن شعوب الأزتيك وتلك التي تناولها واتشيل عن إمبراطورية الإنكا في البيرو.

لنستذكر أيضاً صدمة الفرنسيين في العام 1940، فقد أثرت بقوة على تقبّلهم للإيديولوجيا المحافِظة المتطرفة. ولنتخيّل حجم الإهانة التي تعرّض لها العراقيون السُّنة بعد حرب العراق الثانية مقابل ازدراء قوات الاحتلال وتفاخرها بما فعلته. لذا اعتبر هؤلاء انتسابهم إلى ميليشيات "داعش" طوق نجاة لهم أو شكلاً من الانتقام. تترافق هذه الصدمات في حالات كثيرة مع ظهور النزعة المسيانية (أي انتظار المخلص الموعود). هل يجب أن نتفاجأ إذاً بظهور تنظيمات مثل "القاعدة" أو "داعش" وبفكرها المبني على الإسلام المتطرف والمفاهيم الحالمة والجهاد العالمي؟

تترافق أحداث أخرى مع عواقب مختلفة. برأي معظم المسلمين، يعود الفضل في الانتصار على السوفيات في أفغانستان إلى هؤلاء المجاهدين. كيف يُعقَل إذاً ألا يقتنعوا بهذه الفكرة بعد أفعال القوة العظمى الثانية في الزمن المعاصر؟ لقد حققت عصابة مؤلفة من مسلمين بائسين النجاح. هم يظنون أيضاً أن هؤلاء البائسين أنفسهم أخضعوا قوات التحالف التي قادتها الولايات المتحدة في حرب أفغانستان بين العامين 2001 و2014. برأي هذه المجموعة، يكون الإيمان الراسخ والتصميم القوي على الدفاع عن المبادئ الشخصية كافيَين لزعزعة أي سلطة، ما يعكس فحوى نبوة أشعيا.


هل تحتفظ أطروحات عالِم السياسة الأميركي صامويل هنتنغتون حول صراع الحضارات بأهميتها حتى الآن؟


لا تتعلق المسألة الأساسية بمعرفة إلى أي حد ترتكز أطروحة هنتنغتون على حجج قوية أو هشة، بل بطريقة تفسيرها وسط النُخَب المسلمة. لا حاجة إلى نوع خاص من التعاطف لفهم السبب الذي دفع المسلمين إلى الانغلاق على أنفسهم والتمسك بتقاليدهم وهويتهم الدينية، فهم يشكّلون النسخة الجديدة من الجهات المنبوذة عالمياً ويعيشون على هامش البشرية، بما يشبه ما عايشه الشعب اليهودي في الماضي. لذا تبقى فكرة صراع الحضارات مجرّد تعبير مجازي للتستر على انتهاء الهيمنة الإمبريالية.


حلل عالِم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم ظاهرة الانتحار وأوضح سبب اللجوء إلى الأعمال الإرهابية...


في كتاب Suicide (الانتحار)، يستعمل عرّاب علم الاجتماع الفرنسي مصطلح "الانتحار من أجل الغير" ويعني به موت شهداء المسيحية وحالات الانتحار البطولية في مجتمعات أخرى. يبرز هذا النوع من الانتحار في المجتمعات البدائية وفي الكيانات الاجتماعية الصغيرة التي تتّسم بتماسك قوي وعالم روحي مشترك، فتفرض على أعضائها شكلاً من الرقابة الاجتماعية طوال الوقت. يُعتبر هذا الانتحار واجباً. لا يستطيع أي تفسير للعواقب (أي التفسير الذي يبرر الأفعال بدوافع منطقية) أن يجعلنا نتفهم السلوك غير المألوف لمنفّذ التفجيرات الانتحارية، بل من الطبيعي أن نلاحظ سذاجة من يصدّق الوعود المدهشة حول ما ينتظره في العالم الآخر.


بماذا يشعر المسلم حين يسمع إيمانويل ماكرون وهو يعيد التأكيد على احتمال نشر رسوم كاريكاتورية للنبي محمد مجدداً؟

هذا المسلم يعرف جيداً أن نبي الإسلام لم يقتل أو يأمر بقتل أي شخص هاجمه يوماً. وهو لم يأمر بقتل أو سجن من نشروا قصائد ضده شخصياً، بل طلب الرد عليهم بقصيدة أخرى. لذا يُعتبر قطع رأس أستاذ مدرسة أو قتل أشخاص يصلّون في مكان مقدّس قمة الهمجية ولا يمكن أن يتقبل أي مسلم أو أي إنسان هذا السلوك.

يعرف هذا المسلم أيضاً أن تصريحات الرئيس ماكرون تستهدف في المقام الأول جزءاً من الرأي العام الفرنسي. لكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن تلك التعليقات أعطت نتائج غير متوقعة وغير محبذة، فقد رسّخت أفكار المتطرفين في المعسكرَين والإرهابيين الإسلاميين واليمينيين المصابين بالإسلاموفوبيا. حتى أنها تخدم طموحات الرئيس أردوغان الذي يحاول فرض نفسه كزعيم للعالم الإسلامي. أخيراً، أمعنت تلك التعليقات في عزل فرنسا، على عكس ما يظنه البعض.

لا شك في أن المسلم الطيب والبسيط يتأسف لحصول هذا النوع من سوء التفاهم بين دول واقعة على طرفَي البحر الأبيض المتوسط. قد لا يهتم كثيراً بإهانات الصحافي الذي يؤكد عدم حبّه للإسلام والمسلمين، لكنه لا يفهم أيضاً الكلمات المتخبّطة وغير اللائقة التي تفوّه بها رئيس دولة يُفترض أن يوحّد الوطن بدل تقسيمه ويحترم اختلاف الآخرين ويحمي الأقليات من الأغلبية. لا يمكن الاختباء وراء مبادئ مبهمة قد تحمل تفسيرات متعددة مثل حرية التعبير، إذ تبرز أيضاً أفكار مهمة أخرى. هل سنوافق على دعم سياسة ذات أغراض انتخابية ونحذو حذو دونالد ترامب الذي قسّم بلده كما لم يفعل أي رئيس آخر من قبله؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.