وائل خير

طريق خلاص لبنان

4 دقائق للقراءة

لا نبالغ ان وصفنا مأساة اللبنانين بأنها في المرتبة الأعلى بين مآسي زمننا، إذ خلال نصف عقد هوى وطن من رتبة معتدلة، الى حضيض كل لوائح تقييم الدول. ما يزيد في سواد المشهد إكتفاء المعنيين ومعظم المحللين بسرد مظاهر الإنحلال وإغفال أسبابه.

 لكن ثمة ما يدعو للتفاؤل. واضح إنكفاء المنحى الشاعري وتصاعد مدرسة واقعية تعود بمرضنا العضال الى بنية لبنان، التي شلّت السلطة التنفيذية على خلاف الدولة الحديثة التي تولي الحاكم سلطات واسعة، تماثل سلطات طاغية، ولا تختلف إلا بنظام مساءلة في الديمقراطيات يأخذ شكل انتخابات دورية، وأيضا محاسبة قضائية عند الحاجة، ضمانتان لا أثر لهما في الأنظمة السلطوية.

أحد مرتكزات خللنا البنيوي،  هو إرث "الذل والمسكنة" التاريخي للأديان غير الإسلامية عبر تاريخها الطويل في دار الإسلام، والذي يصعب عليها إسقاطه كلية. ما يفوق الألف عام قام نظام يضع غير المسلمين في رتبة دونية إستسلموا لمصيرهم في الدنيا راجين ثواب الآخرة. لكن كان لقلة خيار آخر وهو الإحتماء بالجبال والأودية كلبنان، إذ يثني فقرها ووعورتها العزم عن إحتلالها طويلا، ما أولاها مقدارا من الإستقلال.

غير إن حدثا مفصليا جرى في الغرب، أطلق للمرة الأولى مفاهيم إنسانية شاملة تساوي بين البشر وتضع أسس أنظمة سياسية تحميها. عصر الأنوار طوّر القانون الدولي، وأرسى ما تقوم عليه الدولة الحديثة من سيادة وفصل السلطات وحكم القانون، قيم أعلنتها الثورتان الاميركية والفرنسية، نشرت الأخيرة هذه القيم في أوروبا وما بعدها، عبر الحروب النابوليونية. يبقى أن نضيف إليها دور مؤسسات التعليم الغربي التي نشرت هذه المفاهيم في منطقتنا.

لا تكتمل الصورة ما لم نضف ما لا يقل قدرا عن الثورتين. إنهما إعلانان في منتصف القرن العشرين صدرا عن الأمم المتحدة، يفصّلا حقوقا "أصيلة وثابتة" للإنسان، فردا ومجموعات. 

للمرة الأولى منذ الفتوحات الإسلامية لاح للمسيحيين إمكان قيام نظام يتساوى الجميع في إطاره، فكانوا من بين رواد الفكر القومي - اللبناني والسوري والعربي-والأحزاب الليبرالية في مصر والمنطقة، وأيضا الفكر الفاشي والشيوعي. تلك هي حركات سياسية مختلفة ومتضاربة المفاهيم لكنها وإن تباينت، التقى فيها توق بمساواة في المواطنية لم يطبّق خارج لبنان. 

حتى لبنان الذي ما كان ليوجد لولا جهد مسيحيّه، بدا في عقوده الأولى واعدا. لكن الضغائن الدينية فسّخته واستجارت بدول الجوار في انقلاباتها الداخلية، ما أدى الى ما هو اسوأ من اقصاء منافسيهم، إنتهى بنظام سلطاته تتقن التعطيل وتعجز عن التقرير. كان من الممكن للمسيحيين ان يتفادوا هذا المصير لو، بدلا من تمسكهم بمنصب الرئاسة، الحّوا على مداولة السلطات. في تلك الحال لن تجد أي طائفة مصلحة لها في إضعاف سلطة ستؤل إليها يوما، ولبقيت في لبنان سلطة مركزية تحمي مصالحه، على خلاف وضعه الأن، حيث صلاحيات الرئيس التنفيذية لم تنتقل لمؤسسة دستورية اخرى، بل توزعتها كل السلطات بما فيها، وهو فريد بين الدول، السلطة التشريعية، ما انتهى إلى نظام من الفوضى تعطّل كل قرار. كل هذا في زمن قائم على صلاحيات غير محدودة للسلطة التنفيذية في الدولة الحديثة.

من مظاهر شلل هذا النظام الغريب صعوبة اتخاذ أي قرار ولو مصيريا كالمشاركة في سلام إقليمي، إذ دونه صعوبات تبدأ بتشكيل وفد رسمي لإنهاء حال عداء مع اسرائيل، تتدافع دول المنطقة نحوه، ابتدأ بإمكان لقاء بين رئيسي لبنان واسرائيل، ليتراجع فينتهي بتسمية وفد برئاسة سفير سابق من خارج الملاك، ولم يحسم حتى الآن إن كانت اللقاءات ستجرى في قاعة واحدة أو تنتقل الأوراق بين قاعتين. 

 يلح علينا السؤال. إن كانت تسمية رئيس وفد مباحثات تمهيدية اقتضت هذه الجهود, فما العمل عندما ترتقي المفاوضات وتنتهي الى الإلتحاق بركب الدول العربية الساعية لسلام مع اسرائيل؟

 لا يخلو هذا البسط القائم من بصيص أمل. أولها تلاشي المدرسة الرومنطيقية. إنسحبت كلية من التداول مقولة "لبنان الرسالة" التي نادى بها "البابا القديس"، "لبنان مثال العيش المشترك ولا حل إلا بإشتراك جميع مكوناته." إنطوى عصر "داروينية سياسية" تربط "الحق بالوجود" بالإبداع واستحضار تاريخ قائم على المبالغة وربما الأوهام.  

نرى في المقابل تصاعد ما يجاري القيم الحديثة، قيم حقوق الإنسان. وجود الإنسان وليس إنجازاته، حتى ولو كانت حقيقية، تبرر وجوده. ربما بسبب خلفيتي في مجال حقوق الانسان، أرى أن اختصر ما سردت بإيراد ما أراه أهم إنجاز حضاري: الكلمات الثلاثون من مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لما كان الإعتراف بالكرامة الأصيلة في جميع اعضاء الأسرة البشرية، وبحقوقهم الأصيلة والثابتة، هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم."