تخيّل مكان عملك كدولة صغيرة، لها قواعدها وعاداتها الخاصة في التعامل وإنجاز العمل. تمامًا كما لن تسافر إلى اليابان متوقِعًا أسلوب الحياة نفسه في الولايات المتحدّة الأميركيّة، فإنّ الانتقال من شركة إلى أخرى يتطلّب التكيّف مع أسلوب تواصل و "ثقافة عمل" جديدة لكلّ وظيفة. فقد أظهرت أبحاث نُشرت في "Journal of Occupational and Environmental Medicine"، أنّ رضا الموظّفين عن "ثقافة العمل" في شركاتهم، يعزّز الثقة بينهم وبين المسؤولين ويرتقي بأداء العمل. وتتوزّع "ثقافات العمل" في الشركات عادةً، على أربعة أنماط رئيسية تعكس أساليب العمل المختلفة داخل المؤسّسات.
أولًا: "ثقافة العائلة" (Clan)
تعتمد "ثقافة العائلة" في مكان العمل، على التعاون القويّ والعمل الجماعي والعلاقات الشخصيّة بين الموظفين، فيشعر هؤلاء عادةً بالولاء والارتباط بالشركة، ويجدون أنّ أصواتهم مهمّة في اتخاذ القرارات. لكن إذا كان الموظف شخصًا طموحًا ويحبّ أن يلمع في مكان العمل، فقد يشعر بأنّ الولاء المفرط يجعله يتغاضى عن حقوقه الأساسيّة، مثل الراتب غير الكافي، وقد يميل للبقاء بدلًا من البحث عن فرص أخرى.
ثانيًا: "ثقافة الابتكار" (Adhocracy)
هذه الثقافة تركّز على الابتكار وريادة الأعمال وتجربة الأشياء الجديدة، حتى لو تسبّبت في الفشل أحيانًا. كما تشجّع على المخاطرة والتفكير خارج الصندوق. الموظّفون الذين يزدهرون في هذا المكان يكونون في العادة مرنين وقادرين على التفكير الإبداعي وحلّ المشكلات بطرق مبتكرة. لكن هذه البيئة قد تكون صعبة للموظف الذي يفضّل الالتزام بوصفٍ وظيفيّ محدّد، فقد يُطلب منه العمل لساعاتٍ إضافية أو القيام بمهام خارج نطاق وظيفته اليوميّة.
ثالثًا: "ثقافة السُّوق / التنافس" (Market/Compete)
يُركّز هذا النمط من "ثقافة العمل" على النتائج والمنافسة والأرباح. غالبًا ما تُلاحظ في وظائف المبيعات التي تعتمد على الحصص والأهداف. إنها أسلوب عمل مناسب لمن يتطوّر عند وجود أهداف واضحة ويحبّ تقديم إثبات ملموس لإنجازاته. كما يعزّز هذا النمط روح المنافسة الداخلية الصحية. إنّما إذا كانت المنافسة الداخليّة غير صحيّة فقد تصبح بيئة العمل قاسية، ويشعر الموظف بالضغط والخوف من فقدان العملاء أو الفرص لصالح الآخرين.
رابعًا: "ثقافة الهرميّة" (Hierarchy)
تعتمد هذه الثقافة على وضوح الأدوار والمسؤوليّات، حيث يعرف كلّ شخص مهامه ومن يتولّى الإدارة. غالبًا ما تتضمّن هذه الوظائف إجراءات تشغيل قياسية ومسارات واضحة للترقية ونطاقات رواتب محدّدة. الأدوار واضحة داخل هذا النمط من العمل، ولا يُطلب من الموظف عادةً العمل لساعات إضافيّة خارج نطاق وظيفته. هذه البيئة مناسبة لمن يفضّل التعليمات والتواصل الواضح. في المقابل، قد يشعر الموظّف المبدع والمبتكر بأنه محدود، حيث تتراجع لديه روح المبادرة والابتكار، وقد تتسبّب البيروقراطية في إحباط من يريد التجديد.
أي "ثقافة عمل" هي الأنسب؟
توضح خبيرة التوظيف في نيويورك فيكي ساليمي، أنّ نوع "ثقافة العمل" الذي يناسب الموظّف قد يتغيّر خلال حياته المهنيّة. قد يحتاج أحيانًا إلى بيئة هرميّة أو عائليّة إذا كانت لديه التزامات كبيرة، بينما قد يميل للابتكار والمخاطرة في بداية حياته المهنية. ولتحديد "ثقافة العمل" الأنسب، يُنصح أولًا بتقييم أسلوب العمل الشخصي: هل يميل الموظّف إلى العمل باستقلاليّة والتفكير خارج الصندوق، أم يفضّل الالتزام بوظيفة محدّدة الوصف وثابتة؟. بعد ذلك، يمكن تقييم الشركات وبيئات العمل المختلفة لمعرفة الأنسب. لكن القاعدة الأساسية حسب ساليمي: "كن على وعي بذاتك طوال مسيرتك المهنية. قيّم نفسك كلّ ستة أشهر أو سنويًا لتعرف ما تحتاجه من بيئة عمل، وما يضمن لك النجاح والاستمتاع بدورك".