مجددًا، يضع نواب "سياديون" حقيبة أموال في حضن "صحفيين" يفترض أنهم سياديون للبدء بحملة انتخابية مبكّرة تبدأ بمحاولة اغتيال المنافس السيادي "انتخابيا"، لينتصر "الممانع" الذي لغاية اللحظة يماطل لمنع بناء دولة قانون ومؤسسات. هذا فيما، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، يبدو أنّ الأسابيع المقبلة تحمل قنبلة موقوتة قد تفجّرها إسرائيل في حرب جديدة بأي لحظة إذا لم يقرّ "حصر السلاح" بقرار حكومي. لا الأميركيون ولا الأوروبيون يرضون بعد اليوم "بأنصاف الحلول" وقد كانوا واضحين برسائلهم إلى رأس الدولة والحكومة. وتؤكد مصادر في واشنطن أنّ "الإدارة الأميركية ترى أنّ زمن الوعود وتدوير الزوايا انتهى، فإما التنفيذ الفعلي يأتي من الشرعية اللبنانية وضمن مهل محددة وإلا سيتعذر إيقاف نتنياهو".
هذا الضغط الأميركي – الأوروبي الصريح والتهديد غير المباشر يضع حزب الله والثنائي عموماً أما خيارين لا ثالث لهما: اختيار "وطنية السلاح" والمصلحة اللبنانية وتسليمه للدولة أو التحول إلى متمرّد على هذه الدولة.
وفيما القنبلة الموقتة في حضن لبنان، ينبري إعلام الممناعة وصحيفة الأخبار تحديدا لفبركة أخبار تطال النائب السيادي والإصلاحي فؤاد مخزومي لمواقفه الواضحة من "حصرية السلاح وتطبيق القرار 1701 وتوظيفه كل قدراته في سبيل قيام دولة لبنانية سيّدة ومستقلة منفتحة على العالم العربي والدولي". تصوّب صحيفة "فبركة الأخبار" على مشروع النائب مخزومي الإنمائي في بيروت خصوصاً، والتي أثبت التاريخ الحديث في كل مفترق "نقمة الحزب على العاصمة وأهلها" ليس بداية من اعتصام 2007 وما تلاه من أحداث 7 أيار وصولا لتفجير العاصمة في 4 آب.
ولكن كما يقول المثل ـ بتصرف ـ "إذا أتتك مذمة من إعلام الممانعة، ففيها تأكيد على أنك سيادي وإصلاحي ووطني". لكن أن يتبنى موقع يحمل اسم العاصمة بيروت هذه "المذمة"، فلا بدّ من التوقف عند النوايا قبل الوصول إلى "التخوين". فهل انتهينا من مسألة السلاح وبناء الدولة واسترجاع الثقة العربية والدولية قبل بدء السجال الانتخابي؟ وهل السجال الانتخابي ضمن البيت السيادي الواحد مباح في مسلّمات لمصلحة المواطن أولا؟
من هنا، لا بدّ من إعادة الحسابات والتموضع. هل يبني موقع إلكتروني مقرّب من الرئيس نواف سلام الحملة الانتخابية المقبلة على فبركات فريق الممانعة لتشويه سمعة منافس من نفس الخط السيادي؟ هل باتت المصلحة الانتخابية أهمّ من مصلحة الوطن في وقت يحتاج مواطنون دعما لا تزال الدولة تغيّبه عنهم؟
زعمت المنصّة "أن أحد النواب عن بيروت يوزّع مساعدات مالية شهرية بقيمة 300 دولار لثلاثمئة عائلة حتى موعد الانتخابات النيابية". وهذه الادعاءات ليست سوى إعادة تدوير لأسلوب التشويه الذي اعتادت عليه جريدة "فبركة الأخبار": اتهامات منزوعة الدليل، وأرقام بلا سياق، و"مصادر مجهولة" لا تُقنع أحدًا. والسؤال هنا: لماذا يخاطر اعلام مقرب من الرئيس نواف سلام بتبنّي هذا الخطاب؟
وهنا لا بد من سؤال: بات مفهوما موقف جريدة "فبركة الأخبار"، كون النائب مخزومي صاحب صوت مستقل ومواقف سيادية، ويشكّل تهديدًا جديًا لمعادلات سياسية اعتادت الصفقات والمحاصصات. لكن أن يتبنى "أحدهم" مهاجمته وهو ـ من المفترض ـ أن يحمل المشروع نفسه، يطرح علامات استفهام حول النيّة من "الهدية" المجانية التي تُقدّم إلى الممانعين.
وعليه، فهل ما تنشره هذه المنصة يندرج ضمن حملة تنسيق غير معلنة تختلط فيها المصالح بالسياسات الضيقة، وإذا كان الجواب نعم، فإننا أمام تقاطع خطير بين المشروع الذي يدعي التغيير المزعوم وبين ماكينة التضليل السوداء التي تقودها منظومة السلاح غير الشرعي.
بكل الأحوال، أثبتت السنوات الأخيرة، وقبلها 30 عاماً من الخدمة الاجتماعية لمؤسسة مخزومي ، أنها قائمة خارج أي سياق انتخابي ومواسم الصناديق. أما محاولات التقليل من حضوره فهي إسقاط لرغبات الخصوم أكثر مما هي توصيف للواقع.
بالخلاصة، حبذا لو ينصرف المعنيون إلى اللحظة الدقيقة التي تستوجب منهم "إنقاذ لبنان" من السلاح وسحب الذريعة من أمام نتنياهو قبل شنه حربا جديدة، لأن المجهول هذه المرة قد يطول، ولن يبقى انتخابات لتُخاض. اتركوا أصحاب الأيادي البيضاء تقوم بالعمل الذي من المفترض أن تقوم به الدولة.. وحتى اللحظة لم تقم به.
وحبذا لو ينصرف "السياديون" و"التغييريون" إلى دعم متبادل في هذا الظرف بدلا من تقديم "هدايا" للممانعة التي تؤكد في كل مفترق أنها لا تضمر خيرا للبنان واللبنانيين.
وفي المقلب الآخر، "المقلب المستهدف"، دشّن النائب مخزومي مشروع التعاون الشامل مع بلدية بيروت، في إطار ورشة إنمائية افتقدتها المدينة منذ العام 2019 على الأقل. ورشة عنوانها استعادة نبض بيروت وحيويتها، من خلال خطة متكاملة تشمل الإنارة العامة، إعادة تأهيل الأرصفة، صيانة المجاري، تشجير الحدائق العامة، وتجهيز جهاز أمن البلدية. كلها خطوات تضع حداً لحالة الاهتراء التي سبّبها الانهيار الاقتصادي، وتفتح الباب أمام بيروت جديدة تنفض عنها الغبار وتستعيد مكانتها.
ما أقدم عليه مخزومي لا يمكن وضعه في خانة الخدمات التقليدية التي اعتاد السياسيون على استخدامها لتلميع صورتهم انتخابياً، بل هو مبادرة مؤسساتية تتولاها مؤسسة نائب العاصمة بالنيابة عن الدولة.
هنا، لا نتحدث عن مساعدات فردية أو مبادرات موسمية، بل عن خطة متكاملة تستعيد صورة بيروت كمدينة للحياة. المشهد الذي شهدته العاصمة مع إطلاق هذا المشروع بدا أشبه بجرس إنذار إيجابي: أنّ بيروت ليست مدينة ميتة كما حاول الانهيار أن يصوّرها، بل مدينة قادرة على النهوض إذا توافر القرار والإرادة. فحين تتكامل المبادرة الفردية مع المصلحة العامة، يصبح العمل السياسي ترجمة عملية لسلوك رجل دولة.