بعلبك، مدينة التاريخ والحضارات، ليست مجرّد موقع أثري، بل نسيج متنوّع يضمّ جميع الطوائف التي شكّلت مكوّناته عبر الزمن. وفي قلب هذا النسيج، تقف الكنيسة الكاثوليكية للروم الملكيين كرمز للشراكة والوجود المسيحي، مشكّلةً جزءًا أصيلًا من هوية المدينة. فالكنيسة ليست مجرّد مكان للعبادة، بل مرآة حيّة للتاريخ والإنسانية والتفاعل الاجتماعي، تشهد على حضور المسيحيين في بعلبك منذ أكثر من قرن ونصف القرن.
تقع كنيسة القدّيستين بربارة وتقلا في حيّ يُعرف بـ "حي المسيحيين"، عند مدخل المدينة، مقابل قلعة بعلبك الأثرية، ما يضفي على موقعها رمزية حضارية تعكس التلاقي بين الماضي والحاضر، وهو الحيّ المحبّب إلى قلوب البعلبكيين، ومرآة المدينة الناصع. وبجانب الكنيسة معبد قديم يعود إلى عام 1830، ما يؤكّد أن جذور الكنيسة الكاثوليكية ضاربة في أعماق التاريخ البعلبكي، وأنّ حضورها متجذّر في وجدان المجتمع المحلي.
قبل اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، كان عدد أبناء الطائفة الكاثوليكية يتجاوز العشرين ألفًا، لكنّ الأحداث والهجرة أدّت إلى تراجع هذا العدد إلى أقلّ من الربع، ما جعل المجتمع المسيحي يواجه تحدّيات الحفاظ على وجوده ومؤسّساته. ومع ذلك، بقيت الكنيسة صامدة، تقيم تقاليدها السنوية، وتحيي أعيادها، ويشكّل عيد الميلاد السمة الأبرز التي ينتظرها المسلمون قبل المسيحيين، محافظةً على دورها الاجتماعي والثقافي والديني، ومستمرّة في تقديم الدعم لأبناء المدينة بمختلف طوائفهم.
خمس سنوات على غياب مطران الأبرشية تركت أثرًا ملموسًا في الحياة الروحية والاجتماعية. فغياب الراعي الروحي أثّر على نشاطات الكنيسة والمبادرات الاجتماعية، كما افتقد المجتمع صوتًا جامعًا بين الطوائف والأجيال. وطوال تولّيه كرسي المطرانية منذ العام 2004 وبعدها، كان المطران الياس رحّال علامة فارقة في تاريخ الأبرشية والمجتمع البعلبكي، محبوبًا من الجميع لما مثّله من رؤية شاملة للتواصل مع المجتمع المحلي وتعزيز التعايش بين مكوّنات المدينة.
اليوم، ومع تعيين المطران ميخائيل خليل فرحا، تعود بعلبك لتستعيد حضور الكنيسة في قلب نسيجها الاجتماعيّ. وشكّل التعيين حدثًا طال انتظاره من جميع أبناء المدينة، لما له من دور في تعزيز التواصل بين الكنيسة والمجتمع، وتثبيت الحضور المسيحي في المدينة. ولم تكن مراسم التنصيب التي ترأّسها بطريرك أنطاكية للروم الملكيين الكاثوليك، يوسف العبسي، مجرّد حدث كنسيّ، بل مناسبة وطنية واجتماعية أكّدت أنّ الكنيسة شريك فاعل في الحياة اليومية لبعلبك، وأن حضورها يمتدّ ليشمل مبادرات روحية وثقافية وإنمائية.
وفي كلمةٍ له يوم الجمعة خلال حفل تنصيبه، أشار المطران فرحا إلى أن بعلبك ليست فقط مدينة التاريخ والحضارة، بل هي أرض الإيمان والصمود والتنوّع، إنها مدينة الكنيسة الحيّة، التي وإن كانت قليلة في العدد فهي كبيرة في الإيمان، ثابتة في الرجاء وغنية بالمحبّة.
تتجاوز رمزية الكنيسة الكاثوليكية دورها الديني؛ فهي تمثل جسرًا بين الماضي والحاضر، ومؤسّسة تحافظ على التراث المسيحي والتاريخي، وتعمل على تعزيز التعايش المشترك. ويشير وجودها وسط "حي المسيحيين"، قرب القلعة، إلى أهمية التفاعل بين مكوّنات المدينة، ويؤكد أنّ التعددية ليست مجرّد شعار بل هي واقع حيّ يستند إلى التقاليد والجذور الاجتماعية.
مع العودة الجديدة للمطران، يتجدّد النشاط الكنسيّ ويستعيد المجتمع المسيحيّ ثقته في دوره، ويظلّ حضور الكنيسة شاهدًا حيًّا على تاريخ بعلبك ومسؤوليتها في الحفاظ على الهوية المشتركة للمدينة. الكنيسة الكاثوليكية ليست مجرّد مبنى تاريخي، بل هي كيان حي يعكس التعدّدية والتواصل والشراكة، ويعدّ من ركائز المجتمع البعلبكي، وتطلّعات المجتمع اليوم ترتكز على أن يكون المطران الجديد جسرًا للتجدّد والانفتاح، وأن الكنيسة باقية كعنصر فاعل في بناء المدينة وروحها المشتركة.