د. بولا أبي حنا

أفكّر إذاً أنا موجود... ولكن الدولة أولاً

4 دقائق للقراءة

حين يستشهد وزير العمل اللبناني في تغريدته بقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت Descartes: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود» لتبرير سلاح حزب الله، فهو يغفل أن التفكير العقلاني يقود إلى نتيجة معاكسة تمامًا: لا وجود لدولة بلا جيش واحد يحتكر السلاح. التفكير هنا لا يبرّر الاستثناء، بل يكشف بوضوح أن ازدواجية القوة هي انتحار بطيء للدولة، وعنوان لفشل المؤسسات في حماية السيادة. كل محاولة لتبرير وجود سلاح خارج إطار الدولة هي في الواقع تعزيز لحالة الاستثناء التي عاشها لبنان منذ عقود، وحجز لطائفة واحدة على القرار العسكري والسياسي، بما يهدد العقد الاجتماعي بأكمله.



جوهر الدولة الحديثة، كما شرح ماكس فيبر، هو احتكار العنف المشروع داخل حدودها. أي سلاح خارج هذه القاعدة هو فوضى. لبنان يعيش هذه الفوضى منذ عقود، حيث فرضت معادلة هجينة هي "جيش–شعب–مقاومة" بدل معادلة طبيعية هي "جيش–شعب–دولة". النتيجة واضحة: دويلة داخل الدولة، وإضعاف للدستور، وتفكيك لمفهوم السيادة. هذا الواقع لا يخلق مجرد خلل مؤسساتي، بل يعيد إنتاج منطق الحرب الأهلية بشكل مقنّع، ويضع الدولة في مواجهة شعبها.



بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، كان اللبنانيون يتوقعون أن يسلم حزب الله سلاحه للجيش ويعود القرار العسكري إلى مؤسسات الدولة. لكن الحزب اختار العكس، وحوّل سلاحه من وسيلة ظرفية للتحرير إلى سلاح عقائدي دائم. لم يعد مجرد أداة ظرفية بل صار "سلاح الله" و"سلاح المهدي"، مرتبطًا بغيبيات دينية لا يمكن لأي مؤسسات وطنية التعامل معها. كيف يمكن لدولة أن تحاور غيبيات؟ كيف يناقش دستور جمهورية "سلاحًا إلهيًا" لا يعترف بشرعية القانون؟



الدستور اللبناني كما اتفاق الطائف نصّا صراحة على حلّ الميليشيات وتجريدها من السلاح، لضمان أن تصبح الدولة المرجعية العليا الوحيدة في السلم والحرب. الحزب تجاوز هذه النصوص، محتميًا بذرائع المقاومة أحيانًا وبالتكليف الشرعي أحيانًا أخرى، فيما القرار النهائي لا يُتخذ في بيروت بل في طهران. هذه ليست مقاومة وطنية، بل ارتهان إقليمي، يجعل لبنان ساحة صراع مفتوحة ومهددًا بانهيارات أمنية وسياسية مستمرة.



الخطر لا يقتصر على السياسة فقط، بل يضرب التعددية اللبنانية في الصميم. طائفة واحدة تحتكر القوة وتفرض منطقها على الجميع، فيما باقي المكوّنات يشعرون بالغبن، لكنهم ما زالوا يتمسكون بالدولة. هنا يتفكك العقد الاجتماعي، ويعود شبح الحرب الأهلية بثوب جديد، ويُخلق شعور عميق بعدم العدالة وغياب حماية الحقوق الأساسية لكل اللبنانيين.



يدافع الحزب عن سلاحه بأنه جزء من معادلة الردع مع إسرائيل. لكن الردع الحقيقي لا يقوم بسلاح جماعة واحدة، بل بجيش وطني موحّد يحظى بإجماع داخلي ودعم خارجي. التاريخ أثبت ذلك في تجارب عدة: جنوب أفريقيا بعد سقوط الفصل العنصري، أيرلندا الشمالية بعد اتفاق الجمعة العظيمة، أو كولومبيا بعد تفكيك ميليشيات الفارك. في كل الحالات، الدول التي سيطرت على السلاح وأخضعت الجميع للقانون نجحت في استعادة الاستقرار، بينما الذين تمسكوا بالميليشيات الخاصة أضعفوا مؤسساتهم ودمّروا دولهم.



المشهد في جلسة مجلس الوزراء، حين غادر نواب الثنائي الشيعي عند دخول قائد الجيش، ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. إنه رسالة صريحة: لا اعتراف بقيادة الدولة على السلاح، ومؤشر على استمرار ازدواجية القوة. هذه المواجهة ليست صراعًا داخليًا عابرًا، بل هي صراع وجودي بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة.



اللبنانيون بمعظمهم سئموا من ازدواجية السلاح ومنطق الطائفة الذي يعلو على القانون والدستور. يريدون دولة طبيعية، لا "سلاح الله" ولا "سلاح الطائفة". يريدون سيادة واحدة، جيش واحد، ومؤسسات واضحة مسؤولة عن الأمن والسياسة. أي مسار آخر هو استمرار في موت بطيء اسمه لبنان، واستمرار لإضعاف الدولة، واستمرار لاستنزاف الموارد، وإبقاء لبنان رهينة المشاريع الإقليمية والعقائدية.



في نهاية المطاف، التفكير العقلاني – كما أراده ديكارت – يفرض على اللبنانيين وعلى الدولة نفسها استنتاجًا واضحًا: لا دولة حقيقية بلا سيادة حقيقية، ولا سيادة حقيقية بلا جيش واحد يحتكر السلاح، ولا مستقبل للبنان إلا بإعادة احتكار القوة بيد مؤسسات الدولة. إن المعركة اليوم ليست سجالًا سياسيًا عابرًا، بل هي شرط وجود لبنان نفسه، وعنوان لكل محاولة لإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا، وحدها، بلا شريك ولا ازدواجية.