باريس
شهدت الجمعية الوطنية الفرنسية أمس لحظة سياسية فارقة بسقوط حكومة رئيس الوزراء فرنسوا بايرو بعد فشلها في الحصول على ثقة البرلمان بطلب من رئيس الحكومة. جاء هذا التصويت بعد جدل واسع داخل البرلمان، حيث عكست كلمات رؤساء الكتل النيابية ونتيجة التصويت حجم الانقسامات السياسية التي تشهدها الساحة الفرنسية. المعارضة، الممثلة بالكتل اليسارية واليمينية المتشدّدة، كانت حاسمة في موقفها الرافض للحكومة، متهمة إيّاها بسلسلة من السياسات التقشفية التي تزيد معاناة المواطنين، والتي تعمل على فرض ضرائب مباشرة وغير مباشرة على أبناء الطبقة المتوسّطة، وعلى حماية أصحاب الثروات ورؤوس الأموال، وعلى المسّ بالمكتسبات الاجتماعية والصحّية والتعليمية وبنظام التقاعد وبالإجازات الرسميّة، إضافة إلى فتح أبواب البلاد أمام المهاجرين.
وإذا كانت المعارضة اليمينية المتشدّدة واليسارية في طليعة الرافضين للحكومة، فهي تجمع على رفض سياسات التقشف والإصلاحات الاقتصادية التي تعتبرها مؤذية للفئات الشعبية والطبقة الوسطى، ولكنها تختلف في سبل المعالجة. "الحزب الاشتراكي" أعلن استعداده لتولّي تشكيل حكومة جديدة، أمّا حزب جان لوك ميلونشون، "فرنسا الأبية" اليساري المتشدّد، فطالب بإقالة رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، بينما طالب حزب مارين لوبن بإجراء انتخابات نيابية جديدة على أن تليها إقالة رئيس الجمهورية في حال لم تفرز الانتخابات غالبية برلمانية واضحة.
عند الأحزاب المشاركة في الحكومة، شهدت كتلة حزب "الجمهوريين" انقسامات داخلية واضحة بين داعمين للحكومة ورافضين لها، ما لعب دورًا كبيرًا في إضعاف موقف الحكومة خلال التصويت، إذ ترك الحزب لنوّابه حرّية منح الثقة أو حجبها. في المقابل، لم تستطع الكتلة الرئاسية "معًا من أجل الجمهورية"، التي تدعم ماكرون، حشد الأصوات الكافية لضمان الاستمرار، فيما تنتظر البلاد الخيار الذي سيلجأ إليه رئيس الجمهورية.
كما يثير هذا التطوّر تساؤلات كبيرة حول قدرة النظام السياسي الفرنسي على التعامل مع الأزمات السياسية والاقتصادية المتزايدة التي تواجه البلاد، خصوصًا في ظلّ تحدّيات اجتماعيّة واقتصادية حادّة، مثل البطالة والتضخّم وحجم الدين العام الذي تخطى 3500 مليار يورو، عشية روزنامة اجتماعية - عمّالية مليئة بمواعيد الاحتجاجات الشعبية، موعدها الأوّل غدًا وآخرها في 18 الحالي.
في ظلّ هذا المشهد، يبقى الرأي العام الفرنسي في حال ترقّب لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من قرارات سياسية قد تحدّد مسار البلاد في المستقبل القريب، وقد تدفع رئيس الجمهورية، من أجل تفادي فراغ سياسي، إلى التفكير في حكومة انتقالية تضمّ أطرافًا مختلفة، أو حكومة ائتلافية تكون أكثر شمولية، لكنها قد تواجه صعوبات في اتخاذ قرارات حاسمة.