في مشهد يعكس الهوة العميقة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري، شنّت روسيا هذه الليلة واحدًا من أوسع هجماتها المركبة على أوكرانيا منذ بداية الغزو. أكثر من 800 طائرة مسيّرة و13 صاروخًا استهدفت العاصمة الأوكرانية كييف ومدنًا عدة، مخلفةً عشرات الحرائق ودمارًا واسعًا في الأحياء السكنية والبنية التحتية بينها مقر رئاسة الوزراء في قلب العاصمة، في وقت تواصل فيه موسكو عبر منابرها الدبلوماسية الحديث عن "السلام" والحوار.
في كييف، تضررت أكثر من عشرة مواقع، بينها مبنى مجلس الوزراء الذي استهدف بسكل مباشر للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب حيث اشتعلت النيران على السطح في والطوابق العليا، فيما عملت فرق الإنقاذ تحت قصف متكرر وخطر الانهيارات. وقد تأكد مقتل شخصين رضيع يبلغ ثلاثة أشهر ووالدته إضافة إلى إصابة 23 آخرين، بينما لا تزال عمليات البحث مستمرة بين الركام.
كما اندلعت حرائق في مواقف للسيارات، وتضررت روضة أطفال، فيما شهدت العاصمة انقطاعات للكهرباء أثّرت على أحياء كاملة.
المشهد لم يقتصر على كييف. في كريمنشوك، سجلت عشرات الانفجارات التي طالت الجسر الرئيسي فوق نهر دنيبرو واستهداف البنى التحتية ما ادى إلى انقطاع الكهرباء عن أجزاء من المدينة، إضافة إلى تدمير منشأة صناعية ومنازل خاصة.
وفي كريفي ريه، فقد استُهدف مصنع ومبنى إداري ومنازل وسيارات، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص على الأقل.
في جنوب أوكرانيا، تعرّضت مدينة أوديسا لضربات أصابت مبانٍ سكنية متعددة الطوابق ومستودعات وقصر الرياضة، فضلًا عن اشتعال النيران في سيارات وسقوط ثلاثة جرحى. أما في زابوريجيا، امتد الدمار ليشمل 16 مبنى سكني و12 منزلًا خاصًا وروضة أطفال، فيما اندلع حريق هائل في منشأة صناعية بمساحة ألف متر مربع.
وفي دنيبرو ونيكوبول بدورهما لم يسلما، حيث سُجل سقوط قتيل وعدة إصابات.
ورغم اتساع رقعة الدمار، لا يزال الخطاب الروسي يصرّ على أنه يستهدف "أهدافًا عسكرية". غير أن الوقائع الميدانية تظهر العكس: أطفال قُتلوا، أسر هجّرت من منازلها، وحرائق في منشآت مدنية.
الرسالة السياسية للهجوم تبدو واضحة: موسكو تسعى إلى تعطيل الاستعداد الأوكراني لفصل الشتاء، ضرب قطاع الطاقة والنقل، ورفع الكلفة الاجتماعية للحرب على السكان. لكن الأثر تجاوز الحدود الأوكرانية، إذ دفعت الضربات بولندا إلى رفع جاهزية قواتها الجوية وتشديد المراقبة على أجوائها، ما يعكس خطر انزلاق المنطقة بأكملها إلى مواجهة أوسع.
الهجوم المركّب استهدف كذلك شبكة الدفاعات الجوية والرادارات، ما أدى إلى تشتيت جهود الإنقاذ وإرباك عمل الإسعاف والطوارئ. وبموازاة ذلك، تتكشف خيوط الدعم الخارجي لآلة الحرب الروسية: شركات صينية تواصل تزويد موسكو بمكوّنات للطائرات المسيّرة والصواريخ، والهند أصبحت من أكبر مستوردي النفط الروسي، ما يوفر تدفقًا ماليًا ثابتًا يمول مثل هذه الهجمات.
ومع تواصل قصف المدن الأوكرانية وتحويل شوارعها إلى ساحات حرائق. وهو تناقض يعزز القناعة بأن الخطاب الروسي ليس سوى واجهة دبلوماسية تخفي وراءها حربًا مفتوحة تستهدف المدنيين قبل أي شيء آخر.
ليس في الأمر التباس. حين تشتعل النيران في مبنى مجلس الوزراء الأوكراني للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، وحين تحترق الطوابق العليا في عمارات سكنية، وتدمر رياض أطفال ومنازل، فهذا لا يُسمّى استهدافًا لـ "أهداف عسكرية" بل إرهابًا موجّهًا ضد المدنيين. إن مشهد الأطفال الذين استيقظوا على أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار يفضح تمامًا أكاذيب الكرملين.
الهجوم لم يكن مجرد ضربة جوية، بل رسالة سياسية. موسكو تريد حرمان أوكرانيا من الاستعداد لفصل الشتاء، ضرب الطاقة والنقل، وإغراق السكان في أزمة معيشية خانقة. وفي الوقت نفسه، تراهن على بثّ الخوف في الداخل الأوكراني واستنزاف طاقة المجتمع عبر استهداف حياته اليومية.
لكن المأساة لا تقف عند حدود أوكرانيا. تدخّل بولندا الفوري بإقلاع مقاتلاتها وتشديد مراقبة أجوائها يذكّر بأن الاستفزاز الروسي يمكن أن يجرّ المنطقة بأسرها إلى مواجهة أوسع. أما على المستوى الدولي، فإن استمرار الصين في تزويد موسكو بمكونات الطائرات المسيّرة، واستمرار الهند في شراء النفط الروسي، يطرحان سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا حول المسؤولية المشتركة في تمويل هذه الحرب.
إن التناقض بين الخطاب الروسي "السلمي" والواقع الدموي الميداني أصبح فاضحًا إلى درجة لم تعد تحتمل المجاملة. فإذا كان العالم جادًا في وقف الإرهاب الجوي على المدن الأوكرانية، فلا يكفي الاكتفاء ببيانات التضامن. المطلوب الآن تعزيز عاجل لأنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية، وتوسيع العقوبات لتشمل سلاسل الإمداد التكنولوجية والمالية التي تغذي آلة الحرب الروسية.
روسيا تتحدث عن السلام، لكن صواريخها ومسيّراتها تروي الحقيقة بصوت أوضح: ما يجري ليس حوارًا، بل حربٌ مفتوحة ضد المدنيين.