الياس دمّر

حين يُصبح الصّوت خطرًا

لعبة الصّمت والتوتّر في فيلم "Relay"

4 دقائق للقراءة

يُعتبر فيلم "Relay" للمُخرج David Mackenzie (من أعماله السّابقة المميّزة "Hell or High Water")، مُحاولة جريئة لإعادة إحياء عبق سينما الجريمة والتجسُّس، يُحاكي فيها أفلام المؤامرات في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع لمسة معاصرة فريدة. الفيلم، الذي عُرض للمرّة الأولى في "مهرجان تورونتو السّينمائي الدولي" في أيلول العام الماضي، يُقدّم منظورًا أخلاقيًّا جديدًا حول مسؤوليّة الفرد في مواجهة ظلم المؤسّسات، من خلال لغة بصريّة دقيقة وأنماط سرديّة متأنّية تسمح بالانغماس في التّفاصيل أكثر من الأحداث.


تدور القصّة حول وسيطٍ غامضٍ "Ash" (يؤدّي دوره بتمكُّن المُمثّل Riz Ahmed)، يحمي المُبلِّغين عن فساد الشّركات، من خلال ترتيب اتّفاقات سريّة مع الجهة المُتّهمة، مقابل حمايتهم وإسكات الفضائح. ما يميّز هذه الحماية، هو الاستعانة بخدمة "Relay" الهاتفيّة، الخاصّة بذوي الإعاقة السمعيّة، كغطاءٍ لإخفاء الهويّة تمامًا!


يُثبّت الفيلم عبر هذا الجهاز الاتّصالي الذي يخفي هويّة المتكلّم من جهة وغيرها من التّفاصيل التّقنية، مدى صعوبة التّواصل السرّي في زمن الرّقابة الكاملة. أما الأسلوب السّينمائي، فمُتّسِم بالرؤية النوستالجيّة من حيث تسليط الضوء على أدواتٍ كلاسيكيّةٍ لكن فعّالة في حماية المعلومات، مثل آلات الكتابة القديمة وخدمة البريد والفاكسات، كنوعٍ من التّباين مع العصر الرّقمي الحالي المكشوف.


قوّة الأداء وبُنية السّرد

قدَّم المُمثّل ريز أحمد أداءً جديرًا بالاهتمام، يغيب فيه عن الكلام في نصف الساعة الأولى من الفيلم، ما جعل تعابير وجهه وحضوره الجسدي الأداتَين الرّئيسيّتَين للتّعبير.


أما المُمثّلة Lily James التي تلعب دَور "Sarah Grant" الباحثة في مجال التكنولوجيا الحيويّة التي تكشف وتُبلّغ عن فساد إحدى الشّركات، فتبدو في بعض لحظات الفيلم أقلّ إقناعًا، خاصةً في تماسُك المشاعر الرّومانسية المُفاجئة التي تنشأ بينها وبين آش.


ونَصِل إلى نجم سلسلة أفلام "Avatar"، حيث يؤدّي المُمثّل Sam Worthington دَور "Dawson" قائد الفريق الذي يُطاردها، بحضورٍ قويّ لكنه لا يرتقي دومًا إلى عمق الدور.


على الصّعيد السّردي، ينجح الفيلم في البداية بصياغة توتّرٍ مُتصاعدٍ وفضوليّ، بدءًا بمشهدٍ افتتاحي مشحون إلى تردُّداتٍ صغيرةٍ لاحقة، تكشِفُ تدريجيًا عن طبيعة مهمّة آش وبعض من تاريخه الشّخصي.


التّصوير في موقعه الطّبيعي، نيويورك، يُضفي على العمل واقعيّة عالية، ويشدّ المُشاهد لمُتابعة التّفاصيل، بينما الكاميرا المُتقنة تؤطّر المدينة وشخصيّات الفيلم بتأنّ ملحوظ. لكنَّ الفيلم يبدأ بالتّباطؤ منذ منتصفه، إذ تتكرّر مشاهد "Relay" التي كانت جذّابة في البداية، لتبدو لاحقًا مُتعبة أو فارغة، وكأنّ الأسلوب ذاته يُجهد أكثر ممّا يُثير. ويُشكّل الجزء الثّالث والأخير من الفيلم، نوعًا من خيبةٍ مُفاجئة، حيث فقد توازنه وتحوّل إلى إثارةٍ تقليديّةٍ نمطيّةٍ غير مُقنِعة. هو للأسف يقع في "كليشيه" مُستسهل كثيرًا مؤخّرًا، أنَّ النّهايات المُفاجئة وعلى الرُّغم من ترسُّبها، تبدو ضروريّة لإلغاء التوقّعات!


جدليّة الشّكل والمضمون

تُطرح عبر الفيلم تساؤلات أخلاقيّة عميقة، حول هويّة الأطراف المُشاركة في قضايا المُبلِّغين عن الفساد. فهل يُعدّ وسيطٌ مثل آش بطلًا لعمله على حماية المعلومات؟ أم أنّهُ جزءٌ من منظومةٍ تُسوّلها الشّركات (أو حتّى الحكومات) لإنهاء الملفّات من دون مُساءلة؟ فيلم "Relay" يَفتح الباب أمام هذه الثّنائية، لكنّهُ يصرف النّظر عن التعمُّق الفعلي في المضامين عبر تعبيره السردي. فيلمٌ ذكيّ يُبحر في المياه الضّحلة للذّنب، الصّمت، والخيانة الشّرسة، لكنّه يحتاج إلى ما يُعيد ضبط النّهاية، بدلًا من الالتهاء في رسم منحى توتّرٍ مُحكمٍ فقط. يُعرض الفيلم حاليًا في كافّة صالات السّينما اللّبنانية.