الياس دمّر

في "The Thursday Murder Club": التقاعد بداية المغامرة

3 دقائق للقراءة

بِخفَّة ظلٍ ودفءٍ إنساني، انطلق على الشّاشة الصّغيرة فيلم "The Thursday Murder Club" المُقتَبس عن رواية الكاتب البريطاني Richard Osman. وبين لمسات الإخراج التي وضعها الأميركي المُخضرم Chris Columbus، وأداء نخبة من النّجوم الكبار، يُقدّم العمل تجربة كوميديّة مُفعمة بالأناقة الإنكليزيّة.

تدور أحداث الفيلم في مُجمَّع تقاعُد فاخر يُدعى "Coopers Chase"، حيث يجتمع أربعة مُسنّين لإنشاء نادٍ أسبوعي يتناول قضايا قتل قديمة (Cold case murders). لكن ما بدأ كَلُعبة ذهنيّة سُرعان ما يتحوّل إلى مُغامرةٍ حقيقيّة حين تقع جريمة قتل حديثة، ضحيّتها أحد مالكي المُجمَّع.


شخصيّات وكادرات 

تبرع Helen Mirren في تجسيد شخصيّة "Elizabeth" بحزمٍ ممزوجٍ بذكاء آسر، فتغدو العقل المُدبّر للفريق وصوت الحكمة فيه. أمّا Ben Kingsley، فيمنح شخصيّة "Ibrahim" نفحةً إنسانيّة غنيّة مُتأرجحة بين خفّة الظل والتأمّل العميق، ليجعل المُشاهد قريبًا من عالمه الخاص.

من جهته يُقدّم Pierce Brosnan دَور "Ron" بحضور كاريزميّ وروح ساخرة. في حين تضفي Celia Imrie لمساتٍ من خفّة الدم والمرح، فتخلق توازنًا جميلًا داخل المجموعة.

الانسجام بين المُمثّلين الأربعة يُعتبر العمود الفقري للعمل، إذ يمنح الفيلم طاقة وحيويّة تعوّض عن بعض هفواته السرديّة، ويُحوّل كلّ مشهد يجمعهم إلى لوحةٍ ساحرة من التّفاعل الدرامي والمرح.


في "The Thursday Murder Club" لا يكتفي البُعد البصري بتأطير الحكاية، بل يُصبح جزءًا من سردها. فالمساحات الخضراء المُمتدّة في "Englefield Estate" ضمن مُقاطعة "Berkshire"، تُقدَّم بعدسة تتعامل مع الطبيعة كمرآةٍ داخلية للشّخصيات. صفاء المشهد الريّفي يعكس عمق التّجارب الإنسانيّة وهدوء ما بعد العاصفة. أمّا الإضاءة الطبيعيّة المُعتمدة، فتميل إلى صبغةٍ ذهبيّة لتمنح كلّ مشهد إحساسًا مُريحًا هادئًا، حتى حين يدور الحديث حول جريمة قتل.


زوايا وتفاصيل

زوايا الكاميرا بدت أقرب إلى لوحاتٍ تأمليّة، تتوقّف عند تفاصيل بسيطة: كرسيّ خشبيّ في شرفة، لمعة عين في ضحكة عابرة أو انعكاس ضوء الصّباح على كوب شاي. فيما ساعد تصميم الدّيكورات الداخلية على إبراز ملامح كلّ شخصية، من الغُرفة المُسمّاة "Jigsaw Room" التي تجمع المُحقّقين الهواة، إلى تفاصيل الشّقق التي تكشف عن شخصيّات ساكنيها من دون كلمات. هذه التّفاصيل الصّغيرة تحمل روح الفيلم أكثر ممّا تحمله الأحداث نفسها. من هنا يجد المُشاهد نفسه أمام عالمٍ بصريٍ لا يستدرج التوتّر بقدر ما يُغلّفه بهالةٍ من الطمأنينة. وكأنّ السّينما تقول لنا، إنَّ الغموض قد يكون أحيانًا دعوة للتأمّل، لا للارتباك.


لسنا أمام فيلم جريمة تقليديّ يسعى لإبهار المُشاهد بتعقيدات الحبكة أو التواءات التحقيق، بل ينتمي "The Thursday Murder Club" إلى مدرسة الغموض المُريح (Cozy Mystery) بوضوح. تُسيطر فيه الشّخصيات والحوارات على تطوّر القصّة، أكثر من مَشاهد المطاردات أو الدماء... إنّهُ فيلم عن الصّداقة والذّكاء والفكاهة بقدر ما هو عن الجريمة! لمتعة المُشاهدة تجدونه على منصّة "نتفليكس".