نوال نصر

رمزي النجار الإعلان والإعلام يبكيان البصمة الفارقة

6 دقائق للقراءة
كورونا فتك به وقتلنا نحن. إنه يقتلنا قطعة وراء قطعة، بضرباتٍ مباشرة في القلب، جاعلاً إياه يعصر من الألم. رمزي النجار، الأستاذ، الأكاديمي، رجل الإعلام والإعلان، الطيّب، الطيّب جداً، ذو الصوت الهادئ والعقل الراجح والإبتسامة التي يتسلل بها الى الآخرين، الى قلوب كل الآخرين، بكثير من الطمأنينة والودّ والنور. رمزي النجار قتله كورونا اللعين فارتاح الأستاذ منه وأبكانا نحن. هو رحل الى فضاءٍ أوسع وهو الذي مات، قبل أن يفعل كورونا فعلته، آلاف المرات وهو العالِم "بالبير وغطاه"، بالإعلام والإعلان، وبلطماتِ موج السياسات العاتية، وبالإستقلال الصعب والحنين الى الإنتداب، وبفيروسات الطائفية والمذهبية، وبالإعلام المنهك، والإعلان المموه، والرمد الربيعي، وبسقوط حبة الكرز الحمراء في بيروتِهِ. فيا موت ألا دواء لك؟

مات الإستاذ. ارتاح. هو أحبّ الحياة لكنه لم يعرف أنه هكذا سيموت. هو كان حذراً من كوفيد-19 اللعين، ويأخذ كامل الإحتياطات، ويتمنى على كل من يُحب ويعرف: إحذروه. لكن كيف يأمن الإنسان للذئب؟ والمخادع ذئب يتسلل. شقيقه مروان نجار، الكاتب والمؤلف، بكاه كما الطفل ونعاه بحرقة. يا لحرقة موت شقيق وعزيز وحبيب وأخ وأب وإبن وهو في قلبِ مروان كلها. وكل الكلام، كله من ألفه الى يائه، لم يعد له بعد رمزي في قاموس مروان قيمة. فـ"الكبير" قد مات.

صديق العمر إيلي خوري، صديق المهنة والبدايات والأفكار الخلاقة والنجاحات الكبرى، ودعه الصبح (فجر البارحة) بزقزقة كتب له فيها: "بعد أكثر من ثلاثين عاماً سأفتقدك. سأفتقد حسّ الفكاهة فيك وحبك الى bandes dessinees وسأفتقد الى نصف حياتي". بصوتٍ ملؤه الألم يُخبرنا إيلي خوري عن "نصف عمره": "إلتقيته قبل إصابته عبر "زوم" وتحدثنا طويلاً. تكلمنا عن لبنان والثورة والإعلام والإعلان ووجع الناس. كان حزيناً جداً. لا، كان "مدبرس" من الحالة التي وصلنا إليها والى ما أصاب بيروت. تحدثنا عن المكتب الذي انهار جزء أساسي منه وقال لي بالحرف: "انهار ما بنيناه وردونا عشرين عاماً الى الوراء". كان حزيناً جداً جداً. وهو المعروف بروح الفكاهة فيه، ما عاد قادراً في الآونة الأخيرة أن يبتسم. كنا نحضّر لعمل يجمعنا وفجأة عرفت أنه أصبح في الطوارئ و... مات. مات من شاركني، في مهنة عشقناها، نصف عمري".





كل من عرف رمزي، أو "رموز" كما يسميه محبوه، أحبه. فهو آدمي وخلوق ومبتسم ومشحون بطاقة رهيبة وعاشق للوطن ويقول خوري "تشاركنا كثيراً من الضحك معاً وكنا نجلس دائماً في الكواليس ونضحك. وهو من قلة قليلة أعطت عالم الإعلام والإعلان ما أعطته. وكان يملك الكثير من المرادفات التي هي جاهزة دائماً حين يشاء. يستلها بكثير من أناقة الكلام".

أكثر ما آلم الأستاذ قبل أن يتسلل إليه الفيروس اللئيم هو تصرفات الناس، كثير من الناس، تجاه كثير من الأمور التي تجتاح لبنان، وهو يرى الثورة المحقة وكأنها "ألعوبة" بين الأيادي. هو الموت قبل الموت. هو الحزن الهائل قبل الرحيل.

هو حاضرٌ دائماً للإجابة على أي سؤال وبكل رحابة صدر. وقلمه جاهزٌ دائماً ليكتب ويغوص في سبر أغوار أعماق المسألتين الإعلامية والإعلانية في بلد مشلّع، رابض على حمم ونيران، وتسهل فيه نعت الإعلام الذي يتعدى مداه متاهات "أمرك سيدنا" بأوصاف الإعلام المأجور ومحاولة، أرباب السلطة الظالمة، خردقته. كلامه حيث يمر يبصم (أو كان يبصم ويا لهول كلمة كان) جداً. خسرناه. خسره العالم الإعلامي والإعلاني في لبنان والعالم العربي أشدّ خسارة. فيا لفداحةِ ما حقّق فيروس كورونا الذي لم يتعب من شروره ولا يكل ولا يمل من السيطرة على جثث أحلى الناس.





هل نرثي إبن الكورة رمزي النجار أم حالنا أم بيروت أم الإبداع؟ هو شهد المجزرة التي عاشتها بيروت في الرابع من آب وأبكته بالقلب قبل العينين. لهذا ضعُف جسده ولم يستطع ربما أن يقاوم. هو كتب، بعد كل ما شاهده وشاهدناه، عن عاصمته، عن مدينته التي يُحب، وعن الاقتصاد الذي انهار والنقد الوطني الذي هوى وعن أمراء الحرب الأزليين وعن "حبة الكرز" التي لمحناها في آذار 2005، وعن 17 تشرين الذي تبدد واختفى مع كوفيد - 19، وعن المذلة والإجرام الذي تجلى بمحو بعض بيروت من بيروت ودمر شوارع وأزقة وأماكن ولد فيها واختبأ في ملاجئها واستثمر فيها عمره، ورفض هجرها وداوى جروحها كلما استطاع حتى البارحة... حتى آخر رمق.

كل شريط الذاكرة تذكره في آخر "كم" شهر وكأنـــه كان يسـتعدّ للوداع النهائي. وقبل أن يغادر كتب "لا تصدقوا بعد اليوم سراب حبة الكرز الحمراء، لأن الأحمر الوحيد في لبنان هو دم أبنائه وبناته، وحبة الكرز الحمراء فخّ ومصيدة وهمّ ورؤية خادعة".

يئس الأستاذ من وطن عشقه حتى النخاع وكم سأل: متى ننجح في أن نصبح يوماً... وطناً؟

هو ارتاح. رحل. مات. والسؤال ما زال سؤالاً، تكثر حوله الردود ولكن لا إجابات!

"غداً يوم آخر"... بهذه العبارة كان يعود الأستاذ ليخرج من قلقه المستديم حول "وطن النجوم". سُئل ذات يوم عن الموت فأجاب "ما حدا راح وخبّر". فهل علينا الآن أن نسأله. أن نطالبه بإعلان يُخبرنا فيه عن ذاك الموت الذي نهابه كلنا. لكن، كما قال، ما حدا راح وخبّر حتى ولو كان راحلاً إستثنائياً. واثقُ النبرة هو. وهو يثق بقوّة الإبداع في عالمنا الإعلامي والإعلاني. رحل تاركاً بصمات لا تمحى وعشرات الكتب التي ستُصبح من اليوم ذخيرة أمام طالبي الإعلام الحقّ والإعلان الدال. ترك "المميزون" وحيدين. وهو الذي لم يكن يؤمن بالرمادي لكنه ضدّ الأبيض والأسود كونه نشد دوماً الحوار وطالب الإعلامي بألا يكون مرآة للمجتمع، ينقل ما يراه ونقطة على السطر، بل أن يبحث عن أجوبة ويمارس دوره كاملاً كسلطة رابعة يحمل وكالة من الناس ويكون قادراً على "فرم" السياسي إذا اقتضى الأمر.

طُرح عليه مرات ومرات: هل الإعلام سبب الأزمات؟ وهل الحريات في خطر؟ وهل يفترض بالإعلامي أن يتبع قانوناً جامداً؟ أسئلة أسئلة أجاب عليها بدل المرة مرات وفي كلها خلص الى إجابة واضحة كما الشمس: قوموا بدوركم في المراقبة والإستجواب والإبلاغ والمطالبة بالمساءلة وافضحوا الجرائم ضد الشعب والديموقراطية. كونوا إعلاميين ونقطة على السطر.





أحلامه كانت بعد كثيرة. لم يكن يعاني من أمراض تشي بموتٍ زاحف. لكن، في سنة، في أقل من سنة، كل شيء في حياة البشر تغيّر وانقلب في حياتنا كلبنانيين رأساً على عقب. فأتانا، فوق كل الشرور، كورونا الذي لا يُميّز بين "بولدوزر" في العمل الإستثنائي وكسول. هو نصيبه أن يرحل؟ لو أتيح له أن يسمع هذا السؤال لأجاب بطريقته المرحة: "في الرحيل حريّة أكبر". وهو الذي عاش حراً.

"صرنا بلا حكمته وحنانه". هذا ما كتبه شقيقه وهو يبكي بدل الدموع دماً. وهذا ما شعر به كثيرون في الجسمين الإعلامي والإعلاني والأكاديمي. كثيرون رثوه. كثيرون بكوه. أما هو فاستراح. له السماء ولنا الإختيار. فإما نصنع من رحيل أمثاله من الكبار نقطة فاصلة للتفكير في "بكرا" أو نطوي الصفحة ونعود الى الإهتراء الذي نعيش فيه والى الإدمان السلبي على عاداتٍ يُقحمنا فيها من يضمرون لنا الموت قبل الموت.