كلمات الإيكونوموس جورج ديماس للذكرى السنوية الأولى لرحيل رمزي النجار

6 دقائق للقراءة

بصمتٍ مدوٍّ رحل رمزي الذي ملأ الدنيا بالكلمةِ النافعة. والكلمةُ وجذرها الكَلَم أو الجرح، فإن سالت دماً حملت في جوهرها الحياة. والذي بكلمته كوّن الكون صار جسداً وفعل فداء. أما الكلمة الخارجة من فم رمزي، فلم تكن يوماً إلا صادقة، فصيحة، دقيقة، تُصيب الهدفَ معنىً وتُغْنيهِ مبنىً. كان رمزي ساحر الكلمة، يُحسن اختيارها لتقع في القلب ولتصعد إلى العقل بآن، فتحتَلّه بقوة المنطق. ومنطق رمزي المرصوف بأنيق الكلمات لم يخلُ من عاطفة صادقة، تُغلّف الصِدق بالصداقة، التي صارت مع أشخاص كثيرين أخوّة مختارة، من غير رباط لحم ودم، كما كان يطيب له أن يقول.

على المستوى العلمي، وبعد أن تخرّج من الجامعة الأميركية حاملاً درجة الماجيستير بعلم التواصل الإعلامي ودرجة البكالوريوس بالآداب المقارنة، كان في الحقلين أستاذاً مجلّياً. قاده الشغف بعلم التواصل إلى العمل الدؤوب لإطلاق كلية الإعلان في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة ALBA في جامعة البلمند وكان من أعمدتها. عام 2019عّين عضواً في مجلس أمناء جامعة العزم. ترأس المنظمة الدولية للإعلان فرع لبنان IAA Lebanese Chapter وكان من الرواد الذين أعلوا شأن الإعلان والإعلام الحِرَفِيَّينِ إلى مستويات عالمية، فحصدت أعماله جوائزَ محليةً وعالميةً عدة، ثم انتخب نقيباً لوكالات الدعاية والإعلان في لبنان. تضلّع في الإعلام والإعلان، فكان سابقاً لزمانه، ليشكّل قاطرة رَفعت شأنهما وأدّت إلى تمهينهما. جعل للدعاية عِلماً، وفتح لها سوقاً لا يستمر فيها إلا المتفوقون. لم يكن، كما كان يحلو له أن يقول، بائعَ دواء اسمه الإعلان...كانت حرفته تركيب الدواء من عناصر يتطلب مزجها الدقة في القياس والبراعة في التركيب، والإتقان في الإعطاء. هذه كلها أمور معروفة عنه، وسردُها قد يكون من باب لزوم ما لا يلزم، لأن رمزي بمساره وعمله صار رمزاً.

ولكن لمن عايَشَهُ عن قربٍ، وأنا واحد من بين كثيرين منهم، فللكلامِ في سيرته نكهة خاصة. بكل المقاييس، لم يكن رمزي شخصاً عادياً. كان مميَّز المميَزين. عَرَفَ كيف يستخرج من الإنسان أفضل ما عنده وأجمل ما فيه. كما أتقن استنباط الأجوبة البسيطة على الأسئلة الصعبة، وطرح الحلول العمليّة للمسائل الشائكة وبرع في تسويق النافع منها والمفيد.

كان متصالحاً مع نفسه، لا يحيد عن مبدئه. لو خالفك الراي، قال لك الخلاف بكلمات لا لُبس فيها، مباشِرةً كانت كلماته، من دون أن تكون مؤذية أو جارحة. إن كوَّنَ راياً جعله موقِفاً، ونَمَط سلوك. ما يفكّر فيه هو ذاته ما يقوله، وعينُه هو تصرّفُهُ. قد لا تفهمه أحياناً، ولكنك سرعان ما تجد في قوله وموقفه، حكمة عميقة ومنطقاً سليماً. وهذا يسمّى بعد نظر، لا بل بصيرة. استخدم موهبته وثمّر وَزَناتِه الكثيرة لتطوير مهنته كأداة استراتيجية، فصار مَرجَعاً لمن صادقَه ولمن خاصمه على حدّ سواء.

معرفتي به دامت حوالي أربعة عقود. ترافقنا خلالها في إطلاق بطاقة "ميدي كارد" لمستشفى القديس جاورجيوس سنة 1984. ثم التقينا مجدداً في مغامرة إطلاق"EDUVATION" على مستوى مدارس أبرشية بيروت الأرثوذكسية. ومن بعدها كان لرمزي الباع الطويل في التأسيس لجامعة القديس جاورجيوس في بيروت. بالطبع لا يمكن حصر تألق رمزي في مشروع أو أكثر لأن تألقه أوسع وأشمل، تخطى لبنان ليبلغ المدى العربي برمّته ولمع على المستوى الدولي.

تحدثت عن تلك المشاريع، لأنني من خلالها اكتشفت رمزي المربي، ورمزي المؤمن. بالنسبة إلى رمزي، لم يكن بناء استراتيجية التواصل في المؤسسات التربوية الدينية مشروعاً كسواه من المشاريع. لقد تعاطى مع الموضوع كمعلّمٍ لا بل كَخبير في التربية، وهو الذي بنى أطروحته في العلوم التربوية على مبدأ فصل التربية عن الدين من دون المس بالإيمان، لا بل كتعبير عميق عن الإيمان. في مداه الأبعد، فَهِمَ أن المدرسة الأرثوذكسية، هي باب تخرج منه الكنيسة إلى المجتمع في رسولية الخدمة والشهادة، على عكس المدارس الدينية الأخرى -مسيحية كانت أو مسلمة- التي تُعتَبرُ فيها المدرسة باباً يدخله المتعلّم إلى عالمِ الدين، فيه ينغلق على ذاته ويقيم. لقد كان في ذلك التحدّي، ما جعله يتخطى البعد المهني، ليرتقي به إلى مستوى الفعل الوجداني، لأنه رأى فيه تجسيداً لقناعات وطموحات آمن بها وعليها نشأ.

وبالحديث عن الإيمان، لقد رأيت في رمزي شعلة روحه. كان مؤمناً بالله؛ يعرفه عن قرب، يحادثه، يجادله، يقارعه الحجة بالحجة، ليتخطى الحديث معه محدودية الكلام، فيعتمدَ لغة القلب وسكون الروح وهدأة الصلاة. لم يكن رمزي في ممارسته تَقَوياً، ولكن قلبه كان يفيض محبةً لله والقريب. أوليست الصلاة فيضاً للحب يتخطى بقدرته قوة الكلمات؟

لقد تحوّل فيض المحبة هذا عند رمزي، على المستوى العملي؛ منارةَ فكرٍ ومسارَ حياة. يُخطئ من يرى فيه، الجانب المهني اللامع فقط. لقد لمع رمزي في مهنته كما في حياته كإنسانٍ، متقدَ الذَكاء، متألقَ الفكرِ، لأنه تغذى من شعلة الإيمان. كان المعلّم الذي لا يتوقف عن التعلّم. مدرسته كانت الحياة، قرأها وكتبها وعاشها. علّم فيها وتعلّم. وبالعودة إلى جَذرِ الكلمة؛ "عِلمٍ" وما اشتق منها كالمتعلّم أو المعلّم، نفهم أن المعلّم هو الذي يترك فيك علامة وأثراً ولذلك باتَ رمزي شيخ المعلّمين وعَلَماً من أعلام المعلّمين. آثاره أضحت مآثر يتأثّر بها كثيرون.

ومتى ينضَجُ العلمُ، يتحوّلُ إلى ثقافةٍ تختزن المعرفة لتنير البصيرة وترسم الطريق. درس رمزي الحياة والسلوك البشري. ودارسُ القمح هو من ينزع عن حبّته القشرة. لذلك تفنن الدارس رمزي في نزع القشور عن ظواهر الأشياء للولوج إلى لبّ الواقع بهدف معالجة الجوهر. وفي كتابه الأخير "فكر على ورق" كتب عن شؤون الحياة وشجونها، في ظواهرها وخفاياها. كما كتب عن الموت فقال: إنه سرّ مجهول ومرعب. وسأل إن كان هو البداية أو النهاية؟ إن كان هو العدم أو الخلود؟

يا صديقي، بل يا أخي المختار، حيث أنت الآن لم تعد في موقِعِ السؤال. أنت الآن تعرف الجواب السرّي الذي لا تنطق به الكلمات، لأنك واقف في وجه الحبيب الغامرك بضيائه. لستَ الآن بحاجة إلى الدراسة والتمحيص ولا إلى اختيار السؤال الصحيح لتكشف الجواب، أو لاتخاذ القرار الصحيح... لم تعد الآن بحاجة إلى كلمات ترصفها أجوبة صادقةً في عمقها، أو دقيقةً في مراميها، أو مُقنِعَةً في قوة منطقها، أو فصيحةً في بيانها... الآن أنت ترى ما لم تره عين، وها أنت سامع لِما لَم تَسمَع به أذن. أنت الآن تتمتم الدَهَش ويسكُنُكَ الصمتُ الأبلغُ، لأنك قائمٌ في حضرة النور الذي لا يَغرُب. فطوبى لك...