منذ متى والقوات السورية تخطط لدخول منطقة البترون؟ يبتسم الرائد جان القاصوف: أظن مرد السؤال هو العمال السوريين، الذين كانوا يعملون في القرى البترونية وشوهدوا يسيرون أمام الجنود السوريين عند دخولهم إلى القرى التي عملوا فيها سابقًا، واعتقد الأهالي، أنهم من رجال المخابرات السورية الذين أرسلوا سابقًا للتعرّف إلى القرى في لبنان.
بداية، تجدر الإشارة إلى أن الجيش السوري، يتبع في خططه العسكرية المدرسة السوفياتية التي تعتمد كثيرًا في معاركها وتحركاتها العسكرية على ما نسميه نحن "الأنصار"، أي الأهالي المدنيين الموالين للجيش والنظام الذين يُعتمد عليهم خلال تحرّك الوحدات العسكرية.
ومنذ دخول الجيش النظامي السوري الأراضي اللبنانية ربيع 1976، شوهد الكثير من العمال السوريين يسيرون أمام الجنود، أما كيف حضر هؤلاء العمال؟
هنا جاء دور المخابرات السورية، فيبدو أن القيادة العسكرية السورية وقبل إرسال جنودها إلى أماكن لا يعرفونها، عادت إلى مخابراتها ومخبريها في البلدات السورية، وحصلت على أسماء العمّال الذين كانوا يعملون في لبنان، وتمّ استدعاؤهم كلّ بحسب المنطقة التي كان يعمل فيها. وهؤلاء العمال معظمهم عاشوا سنوات في لبنان قبل الحرب، ويعرفون الأهالي جيدًا وانتماءاتهم السياسية، ويعرفون الطرق والدروب الداخلية في القرى التي عملوا فيها.
أيضًا، كان يريد الجيش السوري إنهاء انتشاره بأقل أضرار ممكنة ووجود هؤلاء العمال المعروفين من قبل الأهالي، قد يريح الناس، وبالفعل لعب هؤلاء العمال دورًا إيجابيًّا في القرى التي عادوا إليها وشكّلوا صلة وصل بين الأهالي والضباط السوريين.
تابع: إضافة إلى هؤلاء السوريين، سار الكثير من اللبنانيين والفلسطينيين من حلفاء الحكم في سوريا في طليعة القوافل العسكرية السورية عند دخولها البلدات اللبنانية، فمع أول دخول نظامي للجيش السوري إلى لبنان، شوهد العديد من أنصار منظمة "الصاعقة الفلسطينية" والأحزاب الموالية لدمشق يتقدمون القوافل السورية.
كلامي هذا لا ينفي أن بعض هؤلاء العمال الذين دخلوا مع الجنود السوريين، كانوا من المخابرات السورية أو أصبحوا لاحقًا من عناصر تلك المخابرات، خاصة وقد تبيّن أن المخابرات السورية كانت على اطلاع دقيق على الكثير مما كان يجري في لبنان قبل سنوات، فقد أخبرني عدد من الذين اعتُقلوا من قبل المخابرات السورية، أنه خلال التحقيق معهم، كانوا يُسألون عن أحداث صغيرة وقعت في مناطقهم وبلداتهم قبل سنوات وحتى منذ ستينات القرن العشرين، وكان مع المحققين السوريين معلومات دقيقة حول تلك الأحداث.
7- لماذا توقفت القوات السورية في بلدات: بقسميا – كور – تولا ولم تتقدم صعودًا إلى باقي قرى منطقة البترون، خاصة بعد أن فرغت القرى من المقاتلين وأصبح الدخول إليها سهلًا جدًّا؟
أجاب العميد موريس أبو رعد: من الناحية العسكرية بدخولها القرى البترونية سيطرت القوات السورية على مجمل منطقة البترون، فبمجرد السيطرة على بلدات: بقسميا – كور – تولا في وسط البترون التي تشكّل 3 تلال عالية، أصبحت جميع القرى، حتّى الجرديّة، تحت سيطرتها.
فمن بقسميا أصبحت الطريق سالكة أمام القوات السورية حتى بساتين العصي من دون أي عوائق طبيعية، وكذلك في ما خص كور فمنها يمكن الوصول مباشرة حتى بشعله. أما من تلال بلدتي تولا وعبدللي فيمكن السيطرة حتى بلدة ميفوق في قضاء جبيل، كما أصبحت معظم قرى منطقة جبيل المشرفة على منطقة البترون، تحت سيطرة السوريين. كما أنّ التقدم أكثر صعودًا في قرى البترون يجعل طرق تموين وإمداد القوات السورية أكثر مشقة خاصة في فصل الشتاء، فيبدو أن القوات السورية اكتفت بهذا التقدم.
ثم أنه بعد سيطرة السوريين على منطقة بشري، أصبحت تتحكّم بجرود منطقة البترون، فأي تحركات عسكرية قد تقوم بها قوّات "الجبهة اللبنانية" من جرود منطقة البترون باتجاه قرى الساحل أو الكورة، يمكن صدّها من منطقة بشرّي، إن من خلال القصف المدفعي أو من خلال إدخال وحدات كومندوس سورية من حدث الجبة إلى تنورين، لتطويق منطقة البترون.
وما حصل لاحقًا في شباط 1980 في قنات وصولًا إلى بلدات: نيحا، كفور العربي، مزرعة بيت أبي صعب ومزرعة بيت عساف، يؤكد هذه النظرية، بعد أن قامت المدفعية السورية المركّزة في قرى جبّة بشرّي بقصف قرى وبلدات جرود البترون وصولًا إلى مشارف منطقة جبيل قصفًا عنيفًا واستطاعت قطع طرق الإمداد عن قوى "الجبهة اللبنانية" المتمركزة في قنات، التي اضطرت للانسحاب من البلدة والقرى المجاورة بعد معارك طاحنة خاضتها مع القوات السورية.
يضيف: بعد إحكام القوات السورية سيطرتها على قنات، وانسحاب المقاتلين من مواقعهم، اعتقدنا أنها ستتقدم باتجاه بلدات: حردين، زغرتا المتاولة، دير بلا، نيحا، كفور العربي، لكنها توقفت في مزرعة بيت أبي صعب بعد أن كانت وصلت إلى دير بلا وعادت إلى مزرعة بني صعب.
بعد فترة، علمنا من الضابط أن السوريين أن لا مصلحة لديهم بتوزيع جنودهم في تلك القرى الجردية، ما يؤكد الاستراتيجية التي اتبعتها القيادة العسكرية السورية لدى دخول جنودها إلى قرى منطقة البترون صيف 1978.
ولا يستبعد أن تكون الاتصالات السياسية التي رافقت العمليات العسكرية السورية صيف 1978 لعبت دورًا في وقف التمدد السوري. لكن أي اتصالات سياسية ما كانت لتنجح لو أن القيادة السورية لم تقتنع أن منطقة البترون أصبحت عسكريًّا تحت سيطرتها المطلقة.
تجدر الإشارة الى أن منطقة البترون الجردية ظلّت رسميًّا تحت سلطة القوات السورية وإن لم تدخل إليها حتى 10 تشرين الثاني 1979، عندما صدر قرار عن مجلس الوزراء، قضى بإلحاق قرى منطقة البترون الجردية ضمن منطقة انتشار الجيش اللبناني، المنتشر من بيروت شمالًا حتى جسر المدفون على امتداد أقضية محافظة جبل لبنان الشمالية.
ماذا يخبر العميد جوزف البيطار ابن بلدة كفيفان البترونية الذي واكب الانتشار السوري يومها؟
يقول: مساء الجمعة 25 آب 1978 سمعت في منزلي في جونيه بما حصل في الوادي الفاصل بين شبطين ودريا، وأدركت أن القوات السورية ستقوم بردّ عسكري واسع يشمل قرى منطقة البترون.
توجهت صباح السبت، إلى بلدتي كفيفان لتفقّد الأهالي، وعند وصولي كانوا خائفين خاصة وأنّ المعارك، بدأت في كور، فطمأنتهم وأبلغتهم بضرورة عدم ترك البلدة مهما كلّف الأمر ووجوب بقاء الجميع في المنازل وعدم الخروج منها خلال تقدم القوات السورية، وإبقاء الأبواب مقفلة وعدم فتحها إلا إذا تم قرعها. وعندما أبدى البعض تخوفهم من تعديات تقوم بها القوات السورية، أجبتهم أن من ينتشر في القرى البترونية هو جيش نظامي وليس مجموعات مسلحة غير منضبطة، فمن غير الممكن أن يقوم الجنود بأي تعديات على الأهالي الآمنيين، لأن هدفهم انهاء مهمتهم، فالمهم أولاً إقناع من تبقى من المقاتلين بالانسحاب وعدم مواجهة السوريين، لأن دخول أي جيش إلى منطقة لم تقاوم، يبقى أفضل بكثير من دخوله إلى منطقة تتعرض لمواجهات عسكرية، لكن هذا لا يعني أنه قد لا تحصل تجاوزات فردية.
يكمل: عُدتُ إلى جونيه، وبعد الظهر تلقيت اتصالًا من مفوّض الشمال العسكري في حزب "الكتائب" إدمون صهيون، وكانت ربطتني به صداقة بعد معارك شكا عام 1976. أبلغني خلاله أن كور سقطت بيد القوات السورية التي تتقدم إلى باقي قرى المنطقة، والجبهة انهارت بالكامل وهناك تخوّف من وصول السوريين إلى جرود البترون وجبيل، وطلب منّي التوجّه إلى دير سيدة ميفوق لأن اجتماعًا سيعقد لدرس الخطوات التالية.
غادرت إلى ميفوق وكان هناك عدد من الضباط والمسؤولين العسكريين، وبعد استعراض الوضع العسكري، أدركت أن عملية العودة إلى القرى التي دخلتها القوات السورية انتحار، فصارحت الجميع بذلك، لكني أصرّيت على حشد جميع القوى العسكرية على محور ميفوق – القطارة والاستماتة بالدفاع عن هذا المحور، وفي قناعتي أن القوات السورية لا بد أن تتقدم صعودًا حتى ميفوق، وذلك لقطع المعبر الجردي الوحيد بين الشمال وجبل لبنان. فإذا كان هناك قرار بالبقاء في جرود البترون، يجب إبقاء السوريين بعيدين عن ميفوق لأن مجرّد وصولهم إلى ميفوق، يعني سقوط منطقة البترون بمجملها بيد القوات السورية. هذا ما شددت عليه وطلبت إبلاغه للقيادات السياسية لتشمل المفاوضات عدم وصول القوات السورية إلى ميفوق، وحتى إذا أمكن، عدم وصولها إلى بلدة مار ماما، لأن عند السيطرة على البلدة خاصة محلة "وطى عيطا"، تصبح ميفوق شبه ساقطة عسكريًّا. فوافقني جميع المشاركين الرأي وتقرر العمل على عدم وصول القوات السورية إلى ميفوق سياسيًّا وحتى عسكريًّا.
تابع: توجهت في اليوم التالي إلى ميفوق للمشاركة في تنظيم الدفاع عنها، إذا تابعت القوات السورية تقدّمها، والتقيت الدكتور جورج سعاده وأعطيته رأيي فوافقني وأخبرني أن الاتصالات السياسية ناشطة لمحاولة إيقاف التمدد السوري.
ويختم روايته قائلًا: أتصوّر أن الاتصالات السياسية أوقفت تقدم القوات السورية، لكن أعتقد أن المواجهات في كور قد تكون أيضًا غيرت في استراتيجية القوات السورية، وعلمت لاحقًا أن السوريين كانوا يعتقدون أنهم سيدخلون منطقة البترون وينتشرون في قراها من دون معارك، وفوجئوا بالمواجهة الشرسة في كور ورغم أنهم سيطروا عليها، تكبّدوا خسائر كبيرة. هنا لا بد أن القيادة السورية أدركت أن إكمال تقدمها صعودًا إلى تنّورين وميفوق سيكلفها كثيرًا ولو أحكمت سيطرتها على كامل المنطقة. حتى إذا تم استعمال الطوافات العسكرية في انزال المظليين فممكن جدًّا إسقاطها، خاصة ومع المقاتلين مدافع مضادة للطائرات قادرة على إصابة الطوافات وهي تحاول الهبوط على عكس ما حصل في كور، حيث لم يكن يوجد أي مدفع مضاد للطائرات، أو حتى رشاش 12.7 قادر على إصابة الطوافات. ثم لا أتصور أن القيادة السورية كانت يومها في وارد فتح معركة "كسر عضم" في منطقة البترون، فاكتفت بالقرى التي دخلتها ولم تتقدم أكثر، خاصة وأن مركز الثقل السكاني والرسمي والتجاري في منطقة البترون أصبح تحت سيطرة القوات السورية ولم يعد هناك من ضرورة لدخول القرى البترونية الجردية.