أندريه مهاوج

فرنسا... تغييرات سياسية لاحتواء الأزمة المتصاعدة

4 دقائق للقراءة
عمّت البلاد تظاهرات ضدّ ماكرون أمس (رويترز)
باريس



في مشهد يعكس عمق التوترات الاجتماعية والسياسية التي تعصف بفرنسا، شهدت البلاد أمس سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرات الواسعة ضدّ السياسات الاقتصادية التقشفية وتفاقم الفوارق الاجتماعية، تمثلت في مئات التجمهرات ومحاولات قطع الطرق، إلى جانب تظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين الرافضين لسياسات التقشف والتمييز الاجتماعي، في وقت كان فيه المشهد السياسي يشهد نقطة تحوّل مع تكليف وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة سيباستيان لوكورنو بتشكيل الحكومة الجديدة، خلفًا لفرنسوا بايرو.


وعلى الرغم من أنّ البلاد لم تشهد شللًا كاملًا، فإنّ حجم التعبئة الشعبية بدا لافتًا، حيث أعلنت وزارة الداخلية عن تسجيل 29 ألف مشارك بعد ظهر أمس في أكثر من 430 فعالية، شملت تجمّعات وعمليات قطع طرق، في تحرّك غير مركزي جاء تلبية لدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


اللافت في موجة الاحتجاج هو تعدّد المشاركين من خارج الأطر النقابية والحزبية، ما يعكس حالًا من "الغضب العام"، فقد شهدت العاصمة باريس ومدن عدة تظاهرات متفاوتة، وسط تعزيزات أمنية مشدّدة، خصوصًا بعد أعمال شغب محدودة ومحاولات لقطع الطرق أحبطتها الشرطة.


وفي حين كانت تتصاعد الاحتجاجات، جرى حفل التسليم والتسلّم في مقرّ الحكومة. وفي أوّل تصريح له، تحدّث رئيس الحكومة المكلّف عن "ضرورة إحداث تحوّلات عميقة على مستوى المضمون، لا الشكل فقط"، مؤكدًا أنه لا يرى أن هناك طرقًا مسدودة في السياسة الفرنسية.


وكشف لوكورنو في خطاب مقتضب لم يتجاوز الخمس دقائق أنه "سنعمل بشكل أكثر جدّية مع المعارضة، وسنكون أكثر إبداعًا، ويجب إنهاء الهوّة بين الحياة السياسية والحياة الواقعية للمواطنين"، لكنّ الشارع بدا غير مقتنع بأن هذا التغيير كافٍ، حيث رأى عدد من المتظاهرين أنّ "تغيير الأشخاص لا يعني تغيير السياسات، فهم جميعًا من التيار السياسي عينه".


اتهم وزير الداخلية المستقيل ورئيس حزب "الجمهوريون" برونو ريتايو من وصَفها بالتيارات اليسارية المتشدّدة، بـ "اختطاف الحركة الشعبية الاحتجاجية"، في إشارة واضحة إلى حزب "فرنسا الأبية" بقيادة جان لوك ميلونشون، الذي كرّر مطالبته أمس بإقالة رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون.


تعيين لوكورنو جاء كردّ فعل سياسي مباشر على تآكل الثقة الشعبية في الحكومة، خصوصًا بعد خسارة الغالبية البرلمانية، وتصاعد الاحتجاجات غير المسبوقة خارج الأطر النقابية المعتادة. والكلمات التي استخدمها رئيس الحكومة المكلّف، مثل "الإبداع"، "التحوّلات"، "العمل مع المعارضة"، توحي برغبة في إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع.


وهذا ما بدأ رئيس الحكومة المكلّف العمل عليه من خلال إطلاق سلسلة محادثات مع القيادات الحزبية فور تسلّمه مهامه، في خطوة تندرج في إطار ثلاثة أهداف اتفق عليها مع ماكرون، أوّلها تشكيل ائتلاف يضمن غالبية برلمانية ولو بسيطة تؤمّن الثقة للحكومة الجديدة، ووضع موازنة عامة للبلاد تقدّم إلى البرلمان لمناقشتها ضمن المهل المحدّدة قبل 20 تشرين الأوّل المقبل، على أن يجري التصديق عليها قبل نهاية العام.


أمّا الهدف الثاني، فيتمثل بالحفاظ على الإنجازات التي حققها ماكرون في ولايته الأولى وعدم المسّ ببرنامج الإصلاحات الذي وضعه لولايته الرئاسية الثانية، بينما يقضي الهدف الثالث بتأمين استمرارية الحكومة حتى نهاية ولاية ماكرون عام 2027، لأن سقوطها أو عدم حصولها على الثقة يعني حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، وربّما إسقاط رئيس الجمهورية، وهو مطلب بات علنيًا لكلّ من حزبَي "فرنسا الأبية" و "التجمع الوطني" بزعامة مارين لوبن.


مشكلة الدين العام الذي تخطّى 3400 مليار يورو، تبقى العقدة الأساسية أمام الحكومة المقبلة التي عليها أن تعدّ موازنة تقشف من دون المسّ بالمكتسبات الاجتماعية والصحية والتربوية، وفي الوقت عينه تطمين الأسواق المالية ومواجهة احتمال خفض تصنيف فرنسا من قِبل وكالة "فيتش" التي ستصدر حكمها غدًا.


لكن، هل يكفي التغيير على مستوى الأشخاص من دون مراجعة حقيقية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، لامتصاص الاحتقان المتراكم؟ التظاهرات الأخيرة، التي شارك فيها عدد كبير من الطلبة، والعمّال، والمستقلّين وغير المنتسبين إلى نقابات أو أحزاب، تُظهر أن الأزمة لم تعد فقط سياسية، بل أصبحت أزمة ثقة شاملة في رجال السياسة وفي عمل المؤسّسات. لذا، يبدو أن الوعود وحدها غير كافية، بل إن المطلوب خطوات ملموسة تُظهر أن الحكومة لا تكتفي بإدارة الغضب، بل تسعى بصدق إلى تفكيك أسبابه.