بينما لا تزال سوريا تترنّح تحت وطأة تحدّيات أمنية متصاعدة، برزت في الآونة الأخيرة سلسلة تحرّكات سياسية ودبلوماسية تؤكّد أن السلطات السورية الانتقالية ماضية في توسيع حضورها الإقليمي والدولي، بالتوازي مع إعادة بناء الثقة داخليًا، خصوصًا مع المكوّنات المجتمعية الحسّاسة، وفي مقدّمها الطائفة المسيحية.
شكّل التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق محطّة مفصلية في المشهد الداخلي، بعد أن أسفر عن سقوط شهداء وجرحى من المدنيين، مخلّفًا صدمة شعبية واسعة. وفي خضمّ مراسم التشييع، انتشرت على منصّات التواصل الاجتماعي تصريحات للبطريرك يوحنا العاشر يازجي، فسّرت على أنها انتقاد مبطّن للدولة في مسألة الحماية، ما فتح بابًا لتأويلات سياسية. إلّا أن مصادر سورية مطّلعة أوضحت لـ "نداء الوطن" أن ما قيل لم يصدر في سياق رسمي، بل جاء ضمن مراسم وداع ضحايا التفجير، وفي إطار تعزية وجدانية لعائلاتهم، معتبرة أنّ الموقف الرسمي للبطريركية الأرثوذكسية ثابت، ويرتكز على دعم وحدة سوريا ومباركة العهد الجديد الذي أعقب سقوط النظام السابق.
وكشفت المصادر أن الرئيس السوري أحمد الشرع عبّر في أكثر من مناسبة عن احترامه العميق للكنيسة الأرثوذكسية ومكانتها الوطنية، وأكّد أن المسيحيين ليسوا طائفة تفاوض على حقوقها، بل مكوّنًا وطنيًا أصيلًا، يتشارك التحدّيات والحقوق والواجبات نفسها مع باقي السوريين. وأشارت المصادر إلى أن النظام السابق اعتاد استخدام "ورقة حماية الأقليات" كأداة للضبط المجتمعي وتكريس الانقسامات الطائفية، في حين تسير الدولة السورية الجديدة نحو نموذج مدني حديث، لا يستند على الامتيازات الطائفية، بل على المواطنة المتساوية.
وجاءت زيارة الأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع إلى مقرّ البطريرك يازجي الشهر الماضي بعد عودة الأخير من لبنان، حيث كان يتعافى من وعكة صحّية، كمبادرة تؤكّد استمرارية التواصل مع المرجعيات الروحية. وقد جرى خلال اللقاء تقديم واجب العزاء بضحايا التفجير، ومناقشة تداعياته. وأكّدت مصادر مطّلعة على لقاء الرئيس الشرع بالبطريرك يازجي أن العلاقة بين الكنيسة والدولة لم تُقطع حتى يُقال إنها تُستأنف، بل كانت وستظلّ قائمة على التفاهم والشراكة الوطنية.
وتحدّثت المصادر عن أن الرئيس السوري عبّر للبطريرك يازجي عن موقف واضح بأن الكنيسة الأرثوذكسية ليست كيانًا تفاوضيًا أو طائفة تبحث عن ضمانات، بل إن المسيحيين جزء أصيل من الشعب السوري، ومشكلتهم، إن وُجدت، فهي نفس مشكلة أي مواطن سوري من أي طائفة أخرى، فلا توجد "قضية مسيحية" بل قضية وطنية واحدة. رفضت المصادر تحميل الدولة مسؤولية مباشرة عن تفجير الكنيسة، مؤكّدة أنه حتى أكثر الدول استقرارًا أمنيًا لا يمكنها منع كلّ التهديدات الإرهابية. وشدّدت على أنّ الأهمّ هو كيفية استجابة الدولة لمثل هذه التهديدات مستقبلًا، لا استغلال الحادث لزعزعة الثقة أو بثّ الفتنة الطائفية.
وفي ظلّ التوترات المتنقلة في بعض المناطق السورية بين دمشق وقوى محلّية، وتحديدًا في الساحل والجنوب، ومناطق "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، أكّدت المصادر أن الدولة لن تتهاون مع أي مشروع انفصالي أو محاولة لتقسيم البلاد تحت أي ذريعة، مشدّدة على أن وحدة سوريا الجغرافية والسياسية ليست محلّ تفاوض، بل هي "خط أحمر" وطني لا مجال للمساومة فيه.
وأوضحت المصادر أنّ ما يُثار في بعض الأوساط حول نوايا بعض الجماعات في السويداء أو مناطق "الإدارة الذاتية"، لا يُعبّر عن موقف عام للمكوّنات التي تنتمي إليها هذه المناطق، بل يعود إلى فئات مسلّحة ضيّقة الأفق، تُحاول "خطف قرار هذه المناطق" واستغلاله لأهداف سياسية وأمنية، مدعومة من الخارج. وجزمت المصادر بأن الاستقواء بدول إقليمية أو أجندات أجنبية، تحت غطاء "المظلومية" أو "الحقوق الثقافية"، هو مسار مرفوض تمامًا، لأنّ الحوار الداخلي هو السبيل الوحيد لضمان حقوق الجميع، ضمن دولة موحّدة.
وبحسب المصادر، فإنّ الغالبية الساحقة من أبناء المكوّنات السورية لا تؤمن بمشاريع الانفصال أو التقسيم، بل تتطلّع إلى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية تحفظ كرامة المواطن وتكرّس العدالة. لكن، في المقابل، فإنّ بعض الجماعات المسلّحة الخارجة عن القانون، بحسب المصادر، تحاول استغلال الحالة الأمنية المعقّدة لتحقيق أهداف تخدم أطرافًا دولية، سواء عبر الترويج لفكرة الفدرالية المفروضة، أو العمل على تغييرات ديموغرافية تخدم تقسيم سوريا مستقبلًا على أُسس عرقية أو طائفية.
تتمسّك المصادر بقناعة مفادها أن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يقوم على التفكيك، بل على الشراكة الوطنية الكاملة. فالعلويّ لا يمكن فصله عن السني، كما لا يمكن للدروز أو الكرد أن يُختصروا في شعارات انفصالية، أو يُتركوا لرهانات دولية محفوفة بالمخاطر. لذا، فإن سوريا، رغم ما مرّت به، ما زالت تملك فرصة لإعادة البناء من الداخل، لكن شرط ذلك هو الحفاظ على وحدتها الجغرافية، وتحييد المكوّنات عن التوظيف السياسي الخارجي.
كما أكدت المصادر لـ "نداء الوطن" أن سوريا الجديدة لا تسعى إلى الدخول في مواجهات داخلية أو إقليمية، وليست بصدد خوض أي صراع مع قوى كـ "حزب اللّه" أو حتى إسرائيل. لكنها، في المقابل، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، بل ستلجأ إلى الضغط الدولي والعمل الدبلوماسي في المحافل الأممية، مدعومة بمواقف عربية، ولا سيّما من السعودية وقطر.
رغم التوترات الأمنية، تواصل دمشق مساعيها لإعادة التموضع على الخريطة الإقليمية من خلال سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية البارزة، شملت أخيرًا عقد اجتماع أمني وعدلي مع الجانب اللبناني لمتابعة ملفات أمن الحدود والتنسيق القضائي، فضلًا عن زيارة وفد روسي رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، لعرض دعم موسكو في ملفات عدّة، إضافة إلى المحادثات الاقتصادية في قطر بين وزيرَي الطاقة، بهدف تعزيز التعاون في مجالي النفط والغاز، واللقاء الأمني في أنقرة الذي جمع مسؤولين عسكريين سوريين ونظراءهم الأتراك.
تبدو سوريا الجديدة وكأنها تخوض غمار معركة "توازنات دقيقة" تسعى من خلالها إلى ترميم الداخل من دون إثارة الانقسامات، وإعادة نسج علاقاتها الخارجية بلا استعداء الأطراف. وفيما تبقى التحدّيات الأمنية قائمة، فإن الأفق السياسي ينفتح، ولو تدريجيًا، على احتمالات تفاهم واستقرار مشروطَين بقدرة الدولة على صون الحرّيات وتحقيق الأمن والعدالة والانفتاح الشامل.