أنطوني سعد

هل لا يزال هناك حماس؟

3 دقائق للقراءة

منذ السابع من تشرين الأول 2023، دخلت حركة حماس مرحلة غير مسبوقة من الاستنزاف. فبعد أن شكلت قيادتها العسكرية والسياسية رأس الحربة في مواجهة إسرائيل، جاءت سلسلة اغتيالات ممنهجة لتستهدف أهم رموزها في الداخل والخارج. في غزة، قُتل يحيى السنوار، محمد الضيف، مروان عيسى، رافع سلامة، روحي مشتهى، وأحمد الغندور، أي نخبة الجناح العسكري والسياسي. أما في الخارج، فقد اغتيل صالح العاروري في بيروت، وقُتل إسماعيل هنية في طهران خلال استهداف نوعي داخل إيران، في رسالة واضحة أن إسرائيل وحلفاءها يريدون شطب الحركة من جذورها.



لكن السؤال اليوم: ماذا بقي من حماس؟

أولاً، فقدت الحركة أبرز عقولها التنظيمية والعسكرية التي راكمت خبرة عقود. اغتيال الضيف وعيسى والسنوار يعني أن كتائب القسام فقدت القيادة التي أدارت حرب الأنفاق والصواريخ. ومع غياب هذه الأسماء، يبرز تحدي الفراغ القيادي الذي يصعب ملؤه بسرعة، خاصة في ظل حصار خانق يمنع بروز قيادات بديلة.



ثانياً، تضررت أوراق القوة الخارجية. فحماس كانت تراهن على وجود قياداتها في قطر وتركيا ولبنان لتأمين الدعم السياسي والمالي، لكن الاستهداف المباشر في الخارج، وصولاً إلى قلب طهران، أرسل إشارة بأن خطوط الأمان لم تعد مضمونة. هذا يضع الحركة أمام عزلة أكبر ويصعّب قدرتها على التحرك بحرية أو جمع التمويل.



ثالثاً، ورغم الخسائر، لم تُسقط حماس بالكامل. ما تبقى للحركة هو إرثها التنظيمي القاعدي في غزة والضفة، حيث لا يزال الآلاف من مقاتلي القسام يحتفظون ببنية عسكرية، حتى وإن أصابها الشلل المؤقت. كذلك، ما زالت الحركة تمتلك قدرة رمزية كبيرة؛ فهي بالنسبة لجزء واسع من الفلسطينيين والعرب تمثل عنوان المقاومة رغم النزيف القيادي. هذه الشرعية الشعبية تشكل رصيداً معنوياً لا تستطيع إسرائيل اغتياله.



رابعاً، تشير معلومات من مصدر مصري متابع للحركة منذ سنوات طويلة، إلى أن حماس اعتمدت منذ تأسيسها على نظام اللامركزية أو الاستقلال الذاتي. فهي مقسمة إلى مجموعات صغيرة، لكل منها قائد محلي، ومصدر تمويل مستقل، وحرية حركة ضمن الهوامش العامة للسياسة التي يضعها المكتب السياسي. هذا النمط التنظيمي يجعل من الصعب القضاء عليها كلياً، حتى لو تمت تصفية قيادات الصف الأول، لأن المجموعات الأصغر قادرة على الاستمرار والعمل الميداني بشكل مستقل نسبياً.



خامساً، تبقى أوراق حماس الإقليمية مرتبطة بالمحور الإيراني وحزب الله. ورغم أن هذا المحور يعيش بدوره ضغوطاً هائلة بعد سقوط الأسد وتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أنه ما زال يوفر للحركة سنداً عسكرياً وإعلامياً. غير أن هذا السند قد لا يعوّض فقدان القيادة الميدانية داخل غزة.



في المحصلة، حماس اليوم كيان مجروح ومثخن بالضربات، لكنه لم يُمحَ تماماً. ما بقي لها هو بنيتها الشعبية، رصيدها الرمزي، بنيتها التنظيمية اللامركزية، وعلاقاتها بالمحور الداعم، مع احتمال أن تفرز المرحلة المقبلة قيادات جديدة من الجيل الثاني. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأوضح أن حماس أنهكت ودُمرت قدراتها وقُتل أو استشهد قادتها، وعادت سنوات إلى الوراء، ولم يبقَ منها إلا الفكرة التي لا تموت. والسؤال: هل تستطيع إسرائيل أن تقضي على الفكرة؟ أم أن أدوات القتل لا تقوى على محو الأفكار والعقل، وتظل الأفكار هي أقوى الأسلحة؟